غير مصنفمقالات دينية

الطوباوي الجاثليق كوركيس وكوركيسان أسقفا نصيبين وميشان

القديس الجاثليق كوركيس وكوركيسان أسقفا نصيبين وميشان

إعداد / وردا إسحاق قلّو

       كان القديس مار كوركيس من ( كفرا ) والتي تسمى اليوم كفري – القريبة من كركوك وعلى بعد (100) كم . كان والداه غنيين وشريفين ولهما قريتان هما ( تلا زالي أو تل زالا والتي تعني تل القصب ) وقرية ( بيث حبا ) والقريبة من قرية خربا والواقعة شمال دير ( بيث عابي ) . أرسله أبواه ليتفقد هاتين القريتين ويدير شؤونهما ، ولما دخل الدير للصلاة والتبرك من الرهبان ساكنيه استهوته حياتهم فأراد الأنخراط في سلكهم ، وقد نقل إلى أنسباؤه أنه دخل الدير. ولم يكن قد بلغ سن التلمذة  . حلق رأسه ، أي توشح بالأسكيم وأقتبل أكليل الرأس . وبعد وفاة والده طلب من اخوته ان تكون قرية ( حبا ) حصته من الأرث ، وقد وهبها للدير . وحين كان الطوباوي مار ايشو عياب اسقفاً على نينوى لاحظ ذكاء كوركيس الشاب ووداعته وتواضعه ، فأحبه ، ولما أصبح جاثليقاً رسمه عوضه مطرافوليطاً لتلك البلاد ، ثم أقامه في عهد بطريركيته مدبراً عاماً على البلاد البعيدة ، وألتف حوله تلاميذه وموالون كثيريون ، ومن جملتهم كيوركيس الذي أقامه مطرافوليطاً لفرات وميشان أي ( ميسان ) والتي تقع في الصقع الكائن في دلتا دجلة والفرات ، وهي من الدول التي خلف الدولة السلوقية أثر إنحلالها ، وكانت مملكة ميشان تشمل ” الجزيرة ” التي يؤلفها النهرين دجلة والفرات والخليج ، وبعد ذلك أصبحت ميشان مركزاً للأبرشية التي تدعى اليوم ( البصرة ) .

      أما كيوركيس الآخر فرسمه الجاثليق أيشو عياب مطرافوليطاً لنصيبين ، وهو مؤلف تسبحة تقديس البيعة . وهذاه الكيوركيسان الآخران هما من أصل فارسي .

      سألوا الآباء مار أيشو عياب قائلين ( .. من تأمر أن يقوم مدبراً للكنيسة من بعدك ؟ فأجاب ” إن الأنتخاب ليس من شأني ، بل يعود إلى الآباء الأساقفة ، ولكني أرى من بين كل الذين يعيشون في زماننا يليق كيوركيس جاثليقاً ) وكان الأمر كذلك . وحينما رسم حسب وصية القديس ، كان كيوركيس الفارسي أسقف نصيبين قد أوفده مار أيشو عياب إلى بلاد فارس ، فلما عاد وسمع أن الجاثليق أمر بأن يكون كيوركيس خلفاً له ، وأنه لم يفرق أي كيوركيس يقصد ، أوغر صدره بعض الداهنين والطامعين قائلين له ( أن البطريركية كانت تليق بك . وأن البطريرك السابق قد أوصى لك بها دون شك . وعندما رجع من بلاد فارس وبلغ عاصمة بيث أرامايي أي ( ساليق وقسطيسفون ، المدائن ) لم يدخل على مار كيوركيس الجاثليق ، بل إزدراه وأهمله بخيلاء وأجتاز إلى نصيبين .

تواضع القديس كيوركيس الجاثليق ووداعته

     كان هذا القديس منذ صباه قد أرسى حياته على تواضع المسيح ولم يحسب نفسه أهلاً لكرامة  ، بل اعتبر ذاته في قرارة نفسه دون الكل ، ولم يدرِ في خلده تفكير مثل هذا ( إني جاثليق ولي السلطة أن أحتقر ذلك الذي احتقرني وأن أسخر من ذلك الذي سخر مني ) وكان باستطاعته أن يمنع أسقف نصيبين أو يوقفه عن الخدمة إلى أن يأتي ويبرر موقفه ويظهر الندم على كبريائه . لم يستل سيف العدالة التي تجدر بالله وحده ، لكنه فكر بفطنة وحكم برحمة ، لأنه سمع الرب يقول ( من يريد أن يكون فيكم كبيراً فليكن آخر الكل وخادماً للجميع ) فساقته المحبة إلى الذهاب إلى مدينة نصيبين لكي يصالح المطرافوليط كيوركيس الذي كان ناقماً وحانقاً من غير مبرر . كان مار كيوركيس أسقف نصيبين وأهلها مجتمعين في الكنيسة وقت قداس الأحد فدخل الجاثليق إلى الكنيسة ، وكان المطرافوليط في البيم ( الكرسي أو العرش الذي يجلس عليه الأسقف ) فما أن أبصر المطرافوليط الجاثليق حتى نزل من البيم وخرج من الهيكل وذهب إلى غرفته ، فساء تصرفه في عيني أهل نصيبين واستشاطوا غيظاً على مطرافوليطهم ، فصعدوا إليه حالاً وقالوا له ( كيف لا تخجل ، وكيف نحسبك راعياً ورئيساً وأنت لاتقيم وزناً للتعب الذي تكبده السيد الجاثليق ولعنائه وتواضعه نحوك ؟ فإعلم إذاً إنك إن لم ترض بمصالحته ولم تظهر الندم على غلطتك ، الواحدة لأنك احتقرته في المدائن ، والأخرى هنا في مدينتنا ، فلسنا رعيتك ولن تكون علينا رئيساً ) فأظهر إلى النزول ، وأظهر كلاهما الأسف بإنحناءات متبادلة ، ثم قال الجاثليق : ( لماذا نفرت وقطعت ربط الخضوع الأبوي وخلعت التواضع وأخللت بالنظام الواجب حفظه تجاه الكرسي الأبوي ؟ ) . فقال له المطرافوليط : ( أنا الذي أقامني رئيساً مار أيشو عياب لأكون بطريركاً خلفاً له ، لأني أنا ألذي كنت أعمل طائعاً بين يديه ، وقد طفت في بلاد فارس برمتها بأمره ) فأجابه الجاثليق : ( أنت طفقت بطاعتك له ، أما أنا فقد تربيت على ركبتيه المقدستين وهو الذي غذاني بالعلم المقدس ، وهو الذي رسمني مطرافوليطاً على بلاد آبائه ، وأنا الذي أغمضت له عينيه كما فعل يوسف بأبيه يعقوب ، فإذا أنت عملت أمامه فقد كافأك يإقامتك مطرافوليطاً على نصيبين وهي أشهر مدن المسكونة ، فحسبك هذا وهو لك أجر مضاعف . فلآي فضل كان يتحتم عليه أن يمنحك البطريريكة أيضاً ؟ أو لعلك حينما رأيتنا متواضعين كما أوصانا الرب أن نكون أردت أن تتعظم علينا ، كقورح وداثان على موسى ( عد 1:16 -35) . ولكن إعلم إننا قد سرنا بمقتضى أمر ربنا ووصية الآباء ، أما أنت فأظهرت على النقيض من ذلك تكبراً أنت سيادتك منه ، فليغفر الله رب الكل لجميعنا آمين ) . وهكذا استطاع بتواضعه أن يهدىء سورة غضب المطرافوليط الحانق وضفر لنفسه أكليل النصر في السماء حيث تنتظره السعادة المحفوظة للمتواضعين .

كيوركيس مطرافوليط فرات ميشان الذي حنق هو أيضاً وأراد أن يشق عصا الطاعة

   الشيطان لا يدع الأبرار ينعمون بالسكينة ، بل يضعهم في تجارب عديدة لأسقاطهم ، فما هدأ مطرافوليط نصيبين أزعج تواضع الطوباوي المجرب فأعد له إضطراباً جديداً . فلدى عودته إلى عاصمة بيث أرامايي ، سمع كيوركيس مطرافوليط فرات ميشان فأخذ يسعى به إلى الوثنيين وأنه يحاول إثارة فتنة عليه . ورغم أن التعب كان قد أنهك قوى البطريرك بسبب سفرته الطويلة وعودته من نصيبين فقد عاد لكي يبطل مكائد الشيطان الجديدة . لكن عندما وصل غادر الأسقف كيوركيس المكان وارتحل إلى العاقول ( الكوفو ) الآن ” الكوفة ” . ولما كانت تصرفات القديس متسمة بالتواضع لصد هجمات الأبليس ، فقد استعان برجل روحاني سار في التنسك على درب أنطونيوس ومقاريس وهو الجليل ربان خوداهوي رئيس دير بيث حالي ( وهو دير الطين الموجود في برية الحيرة ) وهكذا ببساطة ربان خوداهوي ، وبتواضع الجاثليق هدأ غضب كيوركيس أيضاً . وبعد ذلك نزل الجاثليق إلى بيت قطرايي ( قطر ) لكي يصالحهم ، لأنهم كانوا قد شقوا عصا الطاعة على كرسي ريوارداشير ( ريواداشير : هي ريشهر القديمة الواقعة شمال غرب ريشهر الحالية ” بوشير ” على الخليج العربي ، وعلى حدود فارس وخوزيستان ” ) وهوكرسي فارس ، كما دخل جزيرة ديرين الواقعة على جزيرة ” بحرين ” والتي يسميها ياقوت الحموي ” دارين ” . وحل الهدوء هناك . وجلب من بيت قطراي ستراً للمذبح نسج له في جزيرة ديرين في منطقة بيث قطرايي .

تنظيم كتاب الفردوس   

     طلب الجاثليق من الأنبا عنانيشوع القديس ان ينظم سير الاباء والرهبان ومآثرهم ، ودعي ذلك الكتاب ب ( كلام الشيوخ ) عاش الأنبا القديس في عهد البطريركين العظيمين ايشو عياب ومار كيوركس فنظم كتاب الآباء بترتيب متناسق بديع ، وقد أسبغ الروح شآبيب مواهبه عليه بنوع خاص ( 615) باباً في أربعة عشر قانوناً وفصلاً ، وكل باب يتبعه سؤال يتطرق إلى موضوعه حتى إذا ما تعب الأخ في حرب مهما كان نوعها ، وأراد أن يجني تعزية أو يتلقى مشورة فكان يجد في متناول يده نصائح متسلسلة موضوعة بتناسق ونظام عجيب . وهناك أربعمئة وثلاثون باباً آخر تتطرق إلى أنواع الفضائل عامةً . واقتبس من شرح انجيل متى الذي وضعه يوحنا الذهبي الفم والذي فيه يطري مآثر رهبان مصر . وضع الكتاب بجزئين ، يتضمن الأول قصص القديسين التي وضعها بللاديوس ( 367-420 ) وهيرونيموس ( 420 ) والجزء الثاني : أسئلة الآباء وأخبارهم الملحقة بها وسمي الكتاب ( الفردوس ) وهكذا دخل وقبل في كل أديرة المشرق , كما يوجد كتب اخرى بهذا الأسم ككتاب ( فردوس عدن ) لعبديشوع مطرافوليط نصيبين , و ( الفردوس ) الصغير الذي وضعه مطران الأكراد  . فترجم عنانيشوع الأول عن هذه الكتب وتصرف بعض الشىء بترتيب الكتاب .

وفاة القديس مار كيوركيس الجاثليق

      ورد في التاريخ الكنسي الذي وضعه الجهبذ مار أتقن . جاء فيه أن ملك العرب في زمان مار كيوركيس الجاثليق كان يدعى الحسن بن علي ، ويقول المؤلف أن الحسن تسلم زمام الملك في السنة التي رسم فيها كيوركيس جاثليقاً . أن مار أتقن واهم بقوله لأن مار كيوركيس أصبح جاثليقاً سنة 661 وشغل المنصب إلى سنة 680 بينما الحسن بن علي بدأ حكمه سنة 660 وتوفي سنة 669 .  وبعد أن خدم مار كوركيس البطريركية وساس الحسن المملكة مدة اثنتين وعشرين سنة ، توفي كلاهما في سنتهما الثانية والعشرين ، فرقد مار كيوركيس الجاثليق في الحيرة ، ودفن بجانب مار آبا الجاثليق الذي ولد سنة 490 واختير جاثليقاً سنة 540 للنساطرة ووافته المنية سنة 552 ودفن في الحيرة .

 دفن الجاثليق مار كيوركيس بإكرام لائق بالجهود والأتعاب التي احتملها بحراً وبراً في سبيل الكنيسة المقدسة والأبرشيات المعهود بها إلى رعايته . كان له سعة في العلم وسمو في الحكمة ، وقد وضع للباعوث الكاروزوت التي مطلعها ( أيها الإله الموجود منذ الأزل ، الأبدي الصلاح والذي لا يطرأ على جودته تغير … ) وقد جعل لها فروعاً بألحان شجية وملحقات حسنة التنسيق .

ملاحظة : نكتفي بهذا القدر من قصص التي نقلناها في 26 موضوعاً ل ( 22 ) قديساً وطوباوياً تربوا في دير بيث عابي وهناك قديسين وطوباويين آخرين لم نتناول قصصهم لقصر سيرتهم الذاتية . بدأنا بهذه السلسلة من تاريخ 16-11-2018 لتنتهي بهذا المقال الأخير . بعد هذا سننتقل إلى قديسين وطوباويين من بلاد ما بين النهرين من خارج ذلك الدير ، وبعدها نتناول سيرة قديسين من الشرق الأوسط ، ثم ننتقل بعون الله لكتابة سيرة القديسين العالميين والرب يبارك مساعينا .  

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x