الحوار الهاديء

الاستعمار بالمدافع… والاستحمار بالعقول

بقلم بشار مرشد

مقدمة:

لم يعد الغزو بحاجة إلى جيوش؛ على مدار التاريخ اعتمد الاستعمار على القوة العسكرية لكسر الأرض والناس، لكن قوته الحقيقية تكمن فيما يحدث بعد المعارك. تنتقل السيطرة إلى النفوس والعقول، تُزرع فيها الخوف وتُعاد صياغة القناعات، حتى يتحول الرفض تدريجيًا إلى قبول، والتمرد إلى طاعة عن اقتناع.

بعد رحيل المستعمر، تبدأ المرحلة الأخطر: كي الوعي. هنا لا يُستهدف الأفراد فحسب، بل المجتمع بأسره كجسد واحد، والمؤسسات التي تدعمه. تُزرع الخوف والمعايير والسلوكيات تدريجيًا، ويعاد تشكيل الأفراد من منتجين وواعين إلى مستهلكين عاجزين، منهكين نفسيًا، يعتمدون على الخارج في كل شيء. المؤسسات التي وُجدت لتدعم المجتمع تتحول إلى مزارع وحظائر فاسدة تُورَّث من فاسد لآخر، وتُعيّن القيادات فيها في غير أماكنها المناسبة، فتفقد فعاليتها وهدفها الحقيقي، ويصبح كل شيء يخدم إعادة إنتاج ثقافة الخضوع والاستهلاك.

مثلما ينهك المرض الجسد البشري شيئًا فشيئًا، تعمل أدوات كي الوعي — الإعلام، المناهج التعليمية، الإعلانات، السياسات الاقتصادية، وحتى الهيكل المؤسسي — على شلل القدرة الجماعية، وتفشي العجز، وتدمير التفكير النقدي والإبداع، فتبدو الأمة طبيعية ومنتظمة على السطح، لكنها داخليًا تعاني من مرض مزمن يق*ت*ل قدرتها على المبادرة والمقاومة.

أدوات الاستحمار ومجالاته المدمجة:

الإعلام والإعلانات: تشوش على وعي الفرد، تشوه المعايير الاجتماعية للمجتمع، وتدفع المؤسسات الإعلامية لتكرار الرسائل التي تدعم الخضوع.

التعليم والمناهج: يشكل عقول الأفراد، ويعيد برمجة الثقافة الجماعية، ويحوّل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لإعادة إنتاج القيم المستوردة والخضوع الفكري.

الاقتصاد الاستهلاكي والتبعية: يقيد قدرة الأفراد على الإنتاج المستقل، ويحوّل المجتمع إلى مستهلك دائم، ويضعف المؤسسات الإنتاجية، ليصبح كل الاقتصاد خاضعًا للسيطرة الخارجية.

الهيكل المؤسسي والقيادات: زرع الرجل في غير مكانه المناسب يجعل المؤسسات عاجزة، وتتحول إلى مزارع وحظائر فاسدة، تُوزع وتُورَّث بين الفاسدين، وتصبح جزءًا من آلية الاستحمار الجماعي.

آلية التصدي:

1. إعادة بناء التعليم النقدي: التركيز على التاريخ المحلي، مهارات التفكير النقدي، الإنتاج، والوعي المدني.

2. دعم الإنتاج المحلي والاقتصاد المستقل: تشجيع الصناعات الصغيرة والتعاونيات لتعزيز القدرة الجماعية.

3. محو الأمية الإعلامية: تعليم الأفراد تحليل الإعلام والإعلانات وتمييز الرسائل الموجهة.

4. تعزيز الصحة النفسية الجماعية: مبادرات دعم نفسي واجتماعي لتعزيز الصمود.

5. إصلاح المؤسسات: وضع الأشخاص المناسبين في أماكنهم، استعادة الهدف الحقيقي للمؤسسات، منع الفساد الموروث، وتحويلها إلى أدوات فعالة لخدمة المجتمع.

6. إحياء الثقافة والهوية الوطنية: النشاطات الفنية، الأدبية، التعليمية، التي تعيد بناء الوعي الوطني والمقاومة الفكرية.

7. السيادة الاقتصادية: تقليل الاعتماد على القروض والمساعدات المشروطة، وتعزيز الاستقلال المالي الوطني.

الخاتمة:

الاستعمار بالمدافع يزول، لكن الاستحمار يظل صامتًا وفعالًا، يحوّل الأمة إلى مستهلكة عاجزة داخليًا بينما تبدو حرة على السطح. التصدي له يتطلب وعيًا جماعيًا، تعليمًا نقديًا، اقتصادًا منتجًا، مؤسسات قوية، وثقافة راسخة تعيد بناء «جسد الأمة» ككل. السيادة الحقيقية تُقاس بالقدرة على التفكير والفعل المستقل، وباستعادة المؤسسات والمجتمع لقدرتهم على الإنتاج والمبادرة، لا بالحدود أو المدافع وحدها.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى