الإعلام العربي على مفترق الرقميات
الإعلام العربي على مفترق الرقميات
البقاء للأكثر قدرة على التحول
لطالما كانت الصحافة الورقية في العالم العربي أكثر من مجرد وسيلة إخبارية؛ كانت منابر للأفكار، وحاضنة للخطاب الثقافي، ورمزًا للهيبة والثقة. كان صوت حفيف الورق صباحا يُسمع في البيوت والمقاهي، ويُشكل الرأي العام، ويحفر عميقًا في وجدان الأمة. لكن هذا المشهد الذي اعتدنا عليه لعقود طويلة يشهد اليوم تحولاً جذريًا لا يمكن وصفه إلا بأنه زلزال وجودي. لم يعد الحديث عن الرقمنة كخيار ترفي أو اتجاه عالمي يمكن تبنيه ببطء؛ لقد أصبح جدارًا عاليًا تُواجهه المؤسسات الإعلامية العربية، إما أن تتسلقه بذكاء واقتدار، أو تبقى خارجه لتشهد أفول نجمها واختفاء صوتها. إن التحول الرقمي في الإعلام العربي تحول من ظاهرة للتفاخر إلى ضرورة، ومن احتمال إلى حتمية، في معادلة جديدة تحكمها السرعة الفائقة والانتشار اللامحدود وتفاعلية الجمهور التي لم يعد بالإمكان تجاهلها.
الثورة الرقمية كانت بمثابة صدمة للمشهد الإعلامي التقليدي. فجأة وجدت الصحف العريقة التي كانت تتباهى بتاريخها وانتشارها الجغرافي ومطبوعاتها الفاخرة نفسها في سباق مع الزمن بل ومع اللامكان
وهنا يبرز التحدي الأكبر للإعلام العربي في رحلته نحو الرقمنة: كيف يحافظ على مكتسباته التقليدية، وأهمها المصداقية وعمق التحليل والمسؤولية الاجتماعية، في فضاء رقمي تشيع فيه الإشاعة، وتتفوق فيه العناوين الصادمة على التقارير المدققة، وتطغى فيه السرعة على الدقة؟ لقد بنت العديد من المؤسسات الصحفية العربية مصداقيتها على مدى عقود، وكانت بمثابة مراجع يُعتمد عليها في خضم فوضى المعلومات. لكن الرقمنة، بوتيرتها المحمومة، تضع هذه المصداقية على المحك. ففي سباق الوصول أولاً، قد تتراجع عمليات التحقق، وفي سعيها لجذب النقرات، قد تلجأ بعض المنصات الرقمية إلى الإثارة والتضخيم على حساب الموضوعية. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تبني الوسيط الرقمي، بل في تبني ثقافته السطحية والتكيف مع منطقها التجاري البحت. لذلك، فإن الرقمنة الحقيقية ليست نقل المضمون من الورق إلى الإنترنت، بل هي إعادة هندسة العملية الصحفية برمتها لتتلاءم مع متطلبات العصر دون التفريط بالجوهر. هذا يتطلب الاستثمار في صحافة البيانات، وفي الفحص الدقيق للمعلومات، وفي إنتاج محتوى بصري (فيديوغرافيك، إنفوجرافيك) عميق بقدر ما هو جذاب، ليُثبت أن السرعة والعمق ليسا ضرتين متعارضتين، بل يمكن أن يلتقيا في صحافة رقمية عربية رصينة.
أحد أبرز التحولات التي جاءت بها الرقمنة هو تفكيك الجدار الفاصل بين المُرسِل والمُتَلقّي. فالقارئ اليوم لم يعد كيانًا سلبيًا يستقبل الخبر وينتهي الأمر. لقد أصبح طرفًا فاعلاً يعلق، يشارك، يناقش، بل ويُنتج المحتوى بنفسه أحيانًا. هذه العلاقة الجديدة تُعيد تعريف مفهوم “الجمهور” ذاته. إنها فرصة ذهبية للإعلام العربي ليقترب أكثر من اهتمامات الناس، ومخاوفهم، وأسئلتهم الحقيقية، وأن يتحول إلى منصة حوار مجتمعي، لا إلى خطاب إعلامي منفرد. لكنها أيضًا تحمل تحديات كبيرة في إدارة هذا الحوار، ومواجهة سيل التعليقات الذي قد يحوي كل شيء من النقد البناء إلى خطاب الكراهية. الرقمنة الناجحة تعني بناء مجتمعات رقمية حول المؤسسة الإعلامية، مجتمعات تثق بها وتتفاعل معها، وتشعر بالانتماء إليها. هذا يتطلب لغة جديدة، وأدوات تفاعلية مبتكرة، وشفافية عالية، وقدرة على الاستماع والرد، وهو ما يتجاوز بكثير مجرد إنشاء صفحة على فيسبوك أو تويتر. إنه تحول من نموذج البث إلى نموذج المشاركة، مما يجعل المؤسسة الإعلامية جزءًا من نسيج الحياة الرقمية للمواطن، وليس مجرد مصدر خارجي للمعلومات.
لقد آن الأوان لأن ننظر إلى الرقمنة ليس كتهديد وجودي للإعلام العربي التقليدي، بل كفرصة تاريخية لإعادة اختراع هذا الإعلام وتجديد شبابه
مما سبق، يتضح أن الحديث عن صراع بين الورقي والرقمي هو حديث تجاوزه الزمن. المستقبل لا ينتمي حصرًا إلى أي منهما، بل إلى القادر على تحقيق التكامل الذكي بينهما. فالمؤسسات الإعلامية العربية مطالبة اليوم بإدارة تحول إستراتيجي، تخصص فيه الموارد ليس فقط للبنى التحتية التكنولوجية، بل الأهم: للكفاءات البشرية. فهذا التحول هو في جوهره استثمار في الصحفي الذي يجب أن يتقن مهنته التقليدية ويكون مُلمًا بمهارات الوسائط المتعددة والتحليل الرقمي، وفي المحرر الذي يتعامل مع البيانات كما يتعامل مع الكلمات، وفي الإداري الذي يفهم اقتصاديات المنصات الرقمية. وهو أيضًا دفاع إستراتيجي عن الهوية واللغة والثقافة العربية في فضاء رقمي مفتوح تهيمن عليه لغات وثقافات أخرى. إن وجود إعلام رقمي عربي قوي، جذاب، وموثوق، هو خط دفاع أول عن العقل العربي، وأداة فاعلة في تشكيل الرواية العربية في العالم. إنه ضمانة لعدم ترك الساحة الرقمية الشاسعة للآخرين يروون قصتنا كما يريدون.
لقد آن الأوان لأن ننظر إلى الرقمنة ليس كتهديد وجودي للإعلام العربي التقليدي، بل كفرصة تاريخية لإعادة اختراع هذا الإعلام وتجديد شبابه. إنها فرصة للتحرر من قيود التوزيع الجغرافي، والوصول إلى جمهور أوسع وأكثر تنوعًا، وإقامة حوار حيوي مع الأجيال الجديدة التي تتشكل وعيًا في العالم الافتراضي. إن الانتقال من الورق إلى الرقمنة ليس رحلة تقنية بحتة، بل رحلة فكرية وثقافية تتطلب شجاعة في التخلي عن النماذج البالية، وإبداعًا في صياغة النماذج الجديدة، وإصرارًا على الحفاظ على القيم الصحفية الأصيلة. إنها رحلة ضرورية لا خيار فيها، لأن بقاء الإعلام العربي وتأثيره مرهونان بقدرته على أن يكون حاضرا حيث يكون الناس، متحدثا بلغتهم، مستمعا لهمومهم، وباسطا جسوره بقوة وثقة في الفضاء اللاّمتناهي للعالم الرقمي. فإما أن نصنع هذا المستقبل، أو نكون مجرد متفرجين على أفول حاضرنا.
صلاح الهوني
إعلامي ليبي
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.