إنّا لك ناصحون ..
أ. نزار العوصجي
اطرق الحديد وهو ساخن يا ترامب فإيران اليوم أوهن من بيت العنكبوت، وزيارتك للصين بددت الآمال المعقودة ..
في السياسة الدولية هناك لحظات تاريخية نادرة تتقاطع فيها عوامل الضعف الداخلي مع التحولات الدولية، فتتحول الأنظمة التي بدت لعقود عصية على السقوط إلى كيانات مترنحة تبحث فقط عن البقاء، وما تعيشه إيران اليوم ليس أزمة عابرة، بل لحظة انكشاف تاريخية قد تعيد رسم ملامح المنطقة بأكملها.
لقد أمضى نظام الملالي أكثر من أربعة عقود ونصف وهو يقدّم نفسه باعتباره مشروعاً عابراً للحدود، يمتلك القدرة على تغيير خرائط النفوذ في الشرق الأوسط مستنداً إلى خطاب أيديولوجي تعبوي وشبكات من الجماعات المسلحة الممتدة من بغداد إلى بيروت، ومن دمشق إلى صنعاء، لكن هذا المشروع الذي بدا في سنوات مضت صلباً ومتماسكاً، بدأ اليوم يكشف حقيقية هشاشته أمام ضغط الاقتصاد وتبدل التحالفات، وتآكل الداخل الإيراني وتغيّر أولويات القوى الكبرى.
إيران اليوم ليست تلك الدولة التي كانت تتحدث بثقة عن “تصدير الثورة”، ولا تلك التي كانت تفاوض العالم من موقع القوة، بل أصبحت دولة مثقلة بالعقوبات، منهكة اقتصادياً، متعبة اجتماعياً، ومحاصرة حتى من أقرب شركائها الذين اكتشفوا أن العلاقة مع طهران أصبحت عبئاً أكثر منها مكسباً.
الصين باعت الوهم الإيراني، وأكبر صدمة تلقاها النظام الإيراني جاءت من الصين نفسها، الدولة التي حاولت طهران تسويقها لسنوات باعتبارها “البديل الاستراتيجي” عن الغرب، والحليف الذي لن يتخلى عنها في أوقات الشدة، لكن بكين، بعقلها التجاري البارد، أثبتت أنها لا تؤمن بالشعارات الثورية ولا بالمشاريع العقائدية، ذلك لان الصين لا تتحرك بدافع الحنين الأيديولوجي، بل بمنطق السوق والمصلحة والاستقرار.
ولهذا بدأت المسافة تتسع بين بكين وطهران، فالصين تدرك أن مستقبلها الاقتصادي مرتبط بالأسواق الغربية العملاقة، وباستقرار التجارة العالمية، وليس بالمغامرات العسكرية أو المشاريع العقائدية التي تستنزف المنطقة وتفجر النزاعات.
لقد اكتشف النظام الإيراني متأخراً أن الصين لن تخاطر بعلاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة وأوروبا من أجل حماية مشروع سياسي يعيش حالة إنهاك داخلي عميقة، ومن هنا جاءت الرسالة القاسية : لا تكنولوجيا حساسة ، لا دعم عسكري مفتوح، ولا اندفاع لإنقاذ اقتصاد يترنح تحت العقوبات والفساد وسوء الإدارة.
الصين لم تكن يوماً جمعية خيرية سياسية، بل قوة عظمى تعرف متى تستثمر ومتى تنسحب، ومتى تبيع الحلفاء على طاولة المصالح الكبرى ..
في الجانب الأخر، الداخل الإيراني بات بركاناً تحت الرماد، إي أن الخطر الحقيقي على النظام الإيراني لا يأتي من الخارج فقط بل من الداخل الذي تغيّر جذرياً خلال السنوات الأخيرة.
فالشعب الإيراني الذي تحمل طويلاً كلفة العقوبات والمغامرات الإقليمية، بدأ يطرح أسئلة وجودية على النظام :
لماذا تُهدر ثروات البلاد على الميليشيات والصراعات الخارجية بينما يعيش المواطن الإيراني تحت وطأة التضخم والبطالة وانهيار العملة؟
جيل الشباب الإيراني لم يعد أسيراً للخطاب الثوري القديم، ولا للحكايات الأيديولوجية التي تأسست عليها الجمهورية الإسلامية، إنه جيل يرى العالم عبر التكنولوجيا والانفتاح والثقافة الحديثة، ويقارن حياته بما يراه في الدول المتقدمة، ولذلك لم تعد الشعارات التقليدية قادرة على احتواء غضبه أو إقناعه.
الاحتجاجات التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة لم تكن مجرد أحداث معيشية عابرة بل كانت مؤشراً على تصدع عميق في العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومهما نجحت السلطة في احتواء بعض الموجات الأمنية، فإنها لم تعد قادرة على إخفاء حقيقة التآكل الداخلي ..
فوق كل هذا وذاك يجد نظام الملالي نفسه امام سقوط وهم الإسلام السياسي المسلح، فالتجربة الإيرانية اليوم تقدم درساً بالغ الأهمية لكل القوى والتنظيمات التي راهنت لعقود على الإسلام السياسي الحزبي المسلح باعتباره مشروعاً لبناء النفوذ والدول.
لقد أثبتت الوقائع أن بناء النفوذ عبر السلاح والميليشيات قد يمنح تأثيراً مؤقتاً، لكنه لا يبني اقتصاداً، ولا يصنع استقراراً، ولا يؤسس دولة حديثة قابلة للحياة.
الدول لا تُبنى بالعقائد المغلقة، ولا بالتحشيد الطائفي، ولا بإحياء صراعات التاريخ، بل تُبنى بالمؤسسات والتعليم والتنمية واحترام القانون والانفتاح على العالم.
والمفارقة أن كثيراً من هذه الجماعات ما تزال تكرر الأخطاء ذاتها، رغم أن الوقائع أمامها واضحة ، فالقوى الكبرى تستخدم هذه التنظيمات عندما تخدم مصالحها، ثم تتخلى عنها فور تغير الحسابات.
هذا ما حدث مراراً في المنطقة، وما يحدث اليوم مع إيران بصورة أوضح وأكثر قسوة ..
جميع الدلائل تشير إلى آن إيران أكثر ضعفاً، وحلفاؤها أكثر إنهاكاً، والاقتصاد العالمي أكثر حساسية تجاه الفوضى الإقليمية.
ومن هنا تبدو الدعوات إلى تشديد الضغوط على طهران جزءاً من رؤية ترى أن اللحظة الحالية قد تكون الأنسب لإعادة رسم قواعد اللعبة في المنطقة، خصوصاً مع تراجع قدرة إيران على المناورة، وتبدل المزاج الدولي تجاه مشاريع الفوضى والميليشيات.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بترامب أو بالسياسة الأمريكية، بل بمستقبل المنطقة نفسها : هل تستوعب القوى المرتبطة بالإسلام السياسي المسلح أن زمن المشاريع العقائدية العابرة للحدود يقترب من نهايته؟
أم أنها ستواصل المقامرة بمصائر الشعوب حتى السقوط الكامل؟
النهاية التي لا يريدون رؤيتها تبدوا قاسية، والتاريخ مليء بالمشاريع التي ظنت أنها خالدة، ثم سقطت عندما فقدت قدرتها على التكيف مع الواقع.
ونظام الملالي اليوم يواجه الحقيقة ذاتها : العالم تغيّر، والشعوب تغيّرت، وحتى الحلفاء تغيّروا، ولم يعد ممكناً إدارة دولة بعقلية الثورة الدائمة، ولا بمنطق الصراع المفتوح مع العالم، ولا عبر استنزاف الشعوب في معارك أيديولوجية لا تنتهي.
إن أكبر مأساة قد تواجه أي أمة هي أن تسلّم مستقبلها لمشاريع تعيش على اجترار الماضي، بينما العالم يتحرك بسرعة نحو المستقبل، ولهذا فإن الدرس الإيراني اليوم يجب أن يكون جرس إنذار لكل من يعتقد أن الشعارات وحدها تستطيع بناء الدول، أو أن السلاح يمكن أن يكون بديلاً عن التنمية، أو أن الأيديولوجيا قادرة على إلغاء حقائق الاقتصاد والسياسة والتاريخ.
وفي النهاية، لا يبقى إلا ما ينفع الناس، أما المشاريع التي تعيش على الانقسام والخوف والتعبئة الدائمة، فمصيرها دائماً التآكل والانهيار مهما طال الزمن ..
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.