ترجمة كتاب Restingstone ” قطرا دمنيخاني”
تأليف فرنسيس ك. خوشو
الترجمة من الأنجليزية: حنا شمعون/ شيكاغو
مقدمة بقلم المترجم
هذه قصة أطفال مستوحاة عبر خيال المؤلف فرنسيس خوشو وتحوم حول صخرة كبيرة كانت الى زمن قريب رابضة على تلة قبل الدخول إلى بيوتات قرية منكَيشي تسمى “قطرا دمنيخاني” وترجمتها صخرة الأستراحة .هذه الصخرة كانت مَعْلْم هام من تراث منكَيشي .
للأسف ازيل هذا المَعْلْم الطبيعي في نهاية الستينات من القرن الماضي أثناء إصلاح الطريق الترابي العام المؤدي الى القرية ، لكن العامة لحد الآن يشيرون اليه في يومياتهم ويستذكرونه كأنه مازال موجوداً وقد آشار المؤلف الى هذا الأستذكار بطريقة ذكية لا تفوت على القاريء الحاذق فجاء بفكرة توزيع احجار من بقايا قطرا دمنيخاني لكل بيت في القرية للاحتفاظ به كذكرى لوجوده يوماً يحرس قريتهم كما كان الثور المجنح يوماً ما يحرس القصر الآشوري ثم جاء الأوغاد الدواعش وكسروه املين ان يزول اثره لكن المخلصين لتاريخهم رمموا الحارس الأمين ليكون أثراً باقياً الى الأبد. هكذا فعل المحب لتراث منكَيشي المؤلف فرنسيس خوشو إذ ارجع ذكرى قطرا دمنيخاني الى عقول الجيل الجديد من الأطفال والقراء البالغين على حدٌ سواء عبر هذه القصة الرائعة.
وإليكم كامل القصة مترجمة الى العربية بقلمي المتواضع:
من زمن غير بعيد وعلى مدخل الطريق العام الذي كان بمثابة شريان الحياة لسكان قرية منكَيشي ارتفعت صخرة ضخمة سميت ” صخرة الأستراحة ” و كانت محور اهتمامهم، فقد كانت هنالك على مدى الذاكرة. كانت قُبلتهم، فخرهم، ومبعث سعادتهم. كان ارتفاعها يقرب العشرة أقدام وواقفة على مساحة عريضة، وبذلك كان ظلها يمتد بعيداً يقي من حرارة الجو خلال الصيف اللاهب.
شكلها كان يوحي شاكلة الثور المجنح الذي كان يحرس مداخل عظمة قصور آشور الموغلة في القدم، أو ربما حصان ضخم وقد جلس على الأرض في استراحة هادئة، وأرجله طواها تحت جسده الضخم، اما رأسه فهو باتجاه القرية.
الكثير من المعجبين وصفوا الصخرة هذه بكونها مثل أهل منكَيشي: مهيبة ، صامدة، ومتكابرة .
فهي هدية الطبيعة لأهل هذه القرية الذين كانوا يبجلونها ولكن لم يأخذوها على محمل الجد لتكون معهم دوماً.
تمتد اراضي قرية منكَيشي محاذية لسفوح تلال تقابل سلسلة جبال زاكَروس في محافظة دهوك المجاورة لمدينة نينوى العظيمة التي هي ضمن في ما يسمى اليوم بالعراق. وكان اعتقاد اهل القرية ان هذه الصخرة كانت هناك من قديم الزمان تراقب قريتهم الغالية.
هذه الصخرة الواقفة على مرتفع طبيعي يفصله وادي ضيق عن سفح الجبل المحاذي. المرتفع هذا مكسو بأشجار البلوط والشجيرات المتناثرة . الطريق الذي جنب الصخرة يؤدي إلى الى حقول ممتدة تزرع بالحنطة والشعير والى البساتين والكروم في شرق القرية . وفي الوادي ثمة نهر صغير ترفده مياه الينابيع وبالامكان سماع صوت خرير الماء وصداه كأنه سيمفونية طبيعية تجعل المستريحين على الصخرة يتمتعون بسماعها في جو تأملي مسالم بعد يوم طويل من العمل الزراعي. بعد هذا لا بد ان المستريحين تواردهم فكرة ان هذه الصخرة تعود لهم وعليه الواجب يحتم عليهم الاعتناء بها.
توما كان أكبر الرجال عمراً في القرية، وكان محترماً من الجميع . كان حاذقاً و عنده كانت العلاجات وحلول لمشاكل القرية. الكثير كانوا يأتونه للمشورة وأخذ الدرس وذلك لحكمته و خبرته في الحياة. كانوا يعرفون اين يجدوه حين يحتاجونه ليروي من دروسه وحكايات مرت على منكَيشي ويبعث فيهم الأمل للمستقبل. كان يؤمن جيداً ان الصخرة هي أهم مَعلَم في منكَيشي، ولذا كان يتواجد عندها لزواره، دوماً .
ليس فقط بسبب كبر حجمها ، لكن بسبب انها ابقت الناس مرتبطين مع اسلافهم. وكونه يعلم أن الجميع قد جلسوا على نفس الصخرة أعطته احساس متين في راحة البال والفرح.. توما كان يؤكد ان على الراجعين من الحقول قبل المساء بعد العمل المضني سواء كانوا متعبين ام لا ، ان يقفوا عند هذه الصخرة لان ذلك يغمسهم في ثراء قريتهم التي لأجل سُمعتها اشتغلوا وكافحوا بجد.
القرويون كانوا اعتادوا لأخذ بنصائح توما في كافة امور حياتهم اليومية.
كان توما دوماً يواظب قدر الامكان ان يجلب معه حفيدته الغالية موني حين الذهاب إلى صخرة الأستراحة. موني كانت بنت صغيرة ذات شعر اسود تقسمه الى ظفيرتين خلف ظهرها كأنهما تناسق حبات الذرة الصفراء.
ألكثير من الناس كان يررون ان صفات توما تظهر جلياً في الطفلة موني فقد كانت طويلة ومتماسكة. وعندما لم تكن تلعب أو تجمع الورد لأمها، كانت تجلس الى جنب جدها توما ليحكي لها قصة من قصص الماضي. وكلما تحدث توما كانت تصغي اليه بشغف وهي تتصور حديثه كأنه يجري أمامها. أحبت جدها منذ طفولتها، وهي ايضاً مثله تعلقت بصخرة الأستراحة. لقد كان المكان فاتناً لها وهي تتأمل اسرار قصص جدها.
تعلقت موني بهذه الصخرة لتصبح جزءاً من ذاكرتها، وهكذا كثير من ذكرياتنا الطرية ولدت قرب هذه الصخرة.
في احد الأيام المشمسة سألت موني جدها ان كان بإمكانها ان تصطحبه الى الصخرة. سارة والدة موني بالطبع لم تمانع لأن في ذلك مزيد من الوقت لها لتتفرغ لامور المنزل وتهيء وجبة طعام الغذاء.
كون موني ابنتها الوحيدة ، فإن سارة كانت ترغب لبنتها ان تقضي اوقاتاً سعيدة وهي تلعب مع أطفال القرية، لكن في نفس الوقت كانت الأم تعلم أن طفلتها كانت مختلفة عن بقية الأطفال فقد ولدت بعقلية وروحية الحكماء. ولذا فإن سارة ترى في ابنتها صفات والدها توما ومنها تلك الصفة الخاصة التي كانت عند والدها توما وهي صفة امتلاكه الحلول لكل الصعاب.
في طريقها الى صخرة الأستراحة ، توما قام بحساب الزمن الذي قضاه لحين ذاك وهو جالس على الصخرة وعلى مر السنين، ليخاطب حفيده قائلاً : ” طيلة السنين التي مرت من حياتي فقد قضيتُ قرب الصخرة ما يعادل كل سنين حياتكِ، يا موني.”
فأجابته موني : ” نعم يا جدي ذلك صحيح، وأنا ايضاً عندما أصبح بعمرك سأكون قد قضيت مع الصخرة ما يساوي كل سنين عمري لحد الآن.” وأضافت: ” اني متأكدة ان صخرة الأستراحة سيكون لها عمر أكثر من عمري وعمر ابنائي وعمر أبناء ابنائي.” ثم أضافت : ” انها قضية من نحن، يا جدي. ماذا سيفعل المسافرون الى قريتنا من غير صخرة يستريحون عندها ويحكون قصصهم؟”
توما فكر ملياً بسؤال موني ، وأجاب: ” يا حفيدي الحلوة أمل أن هذا السؤال لن نسأله أبداً لأنفسنا.”
المشهد من على صخرة الأستراحة كان خلاباً في النهار او المساء سواسية. وفي الربيع كان الغطاء الكثيف للحشائش يغطي المرتفع نزولاً لحين بلوغ النهر الصغير الجاري كالساقية حيث انعكاس الشمس يتراقص على سطح الماء. والطيور تطير فوق الرؤوس مع زقزقة موسيقاها. النحل يطنطن خروجاً ودخولاً الى خليته. والهواء المنعش يهب بإنسيابية صوب الوادي الممتع يهز أغصان أشجار الصفصاف النامية على ضفاف الساقية الرقراقة. النسيم كان صافياً نقياً وعليلاً.
الصغار من أولاد بنات القرية يرعون قطيع الخراف تراهم بالأضافة الى واجبهم يلهون في مسرح المرعى المغطى بالأزهار المتناثرة في الربيع الساحر.
الصيف في القرية كان موسماً للإنشغال وفيه تبدو حتى الحيوانات والنباتات منشغلة مثل البشر. الأشجار استغلت أشعة شمس الصيف مع كمية من الماء لتغطي اغصانها بالاوراق. الأقحوان ملأت التلول وها قد إنكشفت ازهارها. الماعز وجنبها وليدتها تقضمان الحشيش الأخضر والنبتات الطرية . النمل الصغير تشغل نفسها بجمع فتات الطعام ، اما النمل الأسود الأكبر حجماً فقد اختفى بين التراب الملي في حفر هي مصيدتها لصيد الحشرات الصغيرة كي تغدوا طعاماً شهياً لها. اما العظايا بين حين وآخر تخرج رأسها من تحت الحجارة علها تظفر بخنفساء او ماشابه.
القرية كانت نشطة حيوية و الهواء فيها منعش . ورغم انشغال القرويين بأعمالهم ، لكنه لم يفوتوا الفرصة للجلوس على صخرة الأستراحة كي يمتعوا بصرهم بالجمال الطبيعي من حولهم.
على مدار السنة كان هنالك قدر كبير من الترحال ومعظمه كان سيراً على الأقدام. رجل أو إمرأة كانوا يرحلون الى المزرعة وغالباً معهم حمل خفيف في الذهاب اما لأياب فكان الحمل اثقل.
في موسم الحراثة وثم البذار او الحصاد فإنه كان يتطلب البقاء ساعات طويلة في الشغل وجهد جسدي كبير. الرجال الراجعين من حقولهم كانوا يتصببون عرقاً ويظهر عليهم التعب بعد مشي مسافات طويلة وهم عائدون من حقولهم البعيدة. تعبهم كان يخف بوصولهم الى صخرة الأستراحة ليستقبلهم هناك أطفالهم ويحكوا لهم الذي انجزوه في الحقل.
في كل صباح كان الفتيان غالباً واحياناً النساء يخرجون الأبقار من المسكن الليلي الى حيث صخرة الأستراحة وهناك تجتمع الأبقار ليستلمهم الراعي الى المراعي الخضراء قرب سفح الجبل ويعيدهم قبل المساء الى نفس المكان ليستلمهم اصحابها الى المأوى الليلي.
وفي هذا المكان ايضأً كان بائعوا البطيخ او غيرها من المنتجات الزراعية يستريحون، ينزلون البضاعة من ظهر حميرهم كي تستريح ايضاً قبل دخول القرية التي هي سوق بضاعتهم.
الحلّابات بعد رحلة حلب الماعز او الأغنام في طريق رجوعهن كن ايضاً يقفن عند صخرة الأستراحة يتبادلن الحديث عن الذي حصل في القرية مؤخراً.
الكل كان فرحاً بوصوله الى صخرة الأستراحة ليأخذ قسطاً من الراحة أو تبادل الأحاديث.
احدى الصباحات الباكرة إذ اخترق شعاع الشمس من خلال فوهة في السقف داخل البيت الطيني المبني باللبُن والذي تعيش فيه موني مع امها سارة وجدِها توما.. سارة كانت قد نهضت قبل موني لتوقظها من نومها قائلة لها : انهضي يا طفلتي فان الكثير من العمل ينتظرنا هذا اليوم.
نهضت موني نصف نائمة ثم ذهبت لتغسل وجهها لتستيقظ كاملاً بفعل برودة الماء الذي لامس عينيها. ثم لفّت بعض من الخبز الرقيق على قطعة من الجبن ليكون ذلك فطورها. وبعد ان لبست ملبسها ذهبت خارجاً لمساعد امها في الأعمال اليومية الصباحية.
فتحت الأم الباب للبقرات وأعطت موني عصاة كي تأخذهم بضربات خفيفة من العصاة و نزولاً عبر الممرات الضيقة للقرية الى حيث صخرة الأستراحة.
هذا اليوم لم يكن كبقية الأيام بالنسبة إلى موني، شعرت ان ثمة شيء لم يكن على ما يرام. رغم أنها لم تفصح عنه، لكن في اعماقها لم يكن امراً سهلاً ولا يوماً كبقية الأيام . انها لم ترى جدها توما في الصباح كما اعتادت ان تراه كل صباح، ولذا كان أملها انه بأمان و عافية. وخفت من روعها لتقول لنفسها ربما انها تبالغ في الأمر، ولذا استمرت في تقود البقرات الى غايتها.
مع صباح اليوم التالي غدت القرية كأنها مهجرة، عدا من النساء المشغولين بأعمالهن، وبعض الأطفال وهم يهوسون و يمارسون العابهم. وحوالي الغروب عادت الطرقات المؤدية الى القرية تعج بالقرويين والبقرات وهي تعود الى القرية.
صخرة الأستراحة لا زالت تقبع في مكانها صامتة تشهد على خروج الاولاد والبنات ينتظرون رجوع أبائهم ، وبعض الأولاد يمزحون بسرد النكات.
الأولاد اليافعين يلقون خلسة بنظراتهم على الفتيات الفاتنات وهن يبتسمنَّ اذ ان قلادات من زهر الأقحوان والورود البرية تتدلى من على رقبتهن وكأنهم عارضات ازياء.
بعض الأولاد يمرحون على الحشيش الأخضر وآخرين يركبون الأحصن الحجرية التي ضمن تشكيلة صخرة الأستراحة ويسقطون منها غير مبالين بالحوافر المتحركة.
على حافة ساقية الماء الجاري وقف أطفال وفي ايديهم طين احمر اخذوه من ضفاف الساقية ليلهوا به. احدى البنات نراها تضع كسرات الزجاج على دمية الطين لتمثل الأنف والفم والعينين.وطفلة اخرى صنعت من طينها مولودة صغيرة في مهد هزاز. الأولاد من الأسطوان الطيني الطويل صنعوا اشكالاً للسيارات والحيونات. وأحياناً. بعض الأولاد كانوا يضعون النماذج التي يصنعونها على صخرة الأستراحة كي تجف من حرارة الشمس الساطعة.
القرويون كانوا سعداء بهذه الحياة الطبيعية التي كل فعالياتهم تحوم حول صخرة الأستراحة.
ومع تقدم النهار تعجب القرويون اذا كان شخص ضمن فريق العمل الغرباء وصعد الى ظهر الصخرة ليقيس ابعادها. خايفين ان يسألوا فريق العمل، حبسوا فضولهم في انفسهم وراحوا يلقون نظراتهم على العمل الجاري أملين ان الذي في خوالجهم لن يحصل. لكن الأخبار في قرية صغيرة فإنها تنتقل بسرعة ونقل العائدون من العمل الأخبار مما شاهدوه لتسري شائعة او هكذا ان النية هي عمل طريق جديد وبسببه سوف يتخلصون من كل الذي يقف عائقاً امام هذا الطريق..هذا بعث الخوف في القلوب لان معناه ان وجود صخرة الأستراحة أالحبيبة أصبح في خطر. الهلع سيطر على اهل القرية وراحوا يتسألون: ” لماذا فريق العمل لم يغيروا مسار الطريق، بالتأكيد كان بإمكانهم ان فعل ذلك!” هكذا تسألوا فيما بينهم بمرارة: ” بالتأكيد كان بإمكانهم تمرير الطريق في مكان آخر!” صيحات التذمر والغضب تعالت في طرقات منكَيشي وبيوتاتها، لم يكن احد يقبل التخلي عن صخرة الأستراحة، لكن لم يكن بيدهم من حيلة. وكل ما في وسعهم حالياً ان يلتجأوا الى توما الحكيم ليسمعوا منه الذي يقوله في هذا الخبر المفجع.
نجار القرية وجد توما قرب دار الأخير وقبل ان يصله صاح : ” انهم سيزيلون صخرة الأستراحة انهم يعملون طريقاً جديداً. آخرون انضموا اليه وهم يقولون: “نعم، ان ذلك صحيح يا توما.” توما الذي لم يكن يعلم بالامر ، اجتمع بالمحتجين ونصحهم بتهدئة اعصابهم. وحين هدأوا وشرحوا كل القصة لتوما الذي اغضبه الأمر وتعجب كيف انه لم يكن يعلم به قبل ذلك. ورغم ان الخوف سار في عروقه، لكنه كان عليه ان يهدئهم، ولذا خاطبهم ناصحاً اياهم: ” علينا يا أبنائي ان نتماسك ونأتي بحل لإنقاذ صخرة الأستراحة.” لكنه في الأعماق كان يتساءل مع نفسه من هذا الذي سوف يساعدهم. لقد خَبِر ان اهل منكَيشي على مر الزمن اعتمدوا على الرجال الطموحين، لكنهم عوملوا مثل كرة القدم تنتقل من قدم الى قدم.
الطحان، الرجل المثابر وهو يحمل كيساً من الح*بو-ب على كتفيه، توقف برهة يبرم شاربيه: ،” اني حزين ان ارى صخرة الأستراحة وهي تُزال. اكيد يا توما انك تقدر ان تفعل شيئاً. ربما بأمكانك ان تكلم المساحين وتقترح عليهم إنقاذ الصخرة بحيث يمر الطريق الجديد من الطرف الآخر للساقية.
توما ازاح عنه الغصة التي تعلقت في حنجرتة اردف قائلاً: ” طبيعة صخرة الأستراحة كانت تلائمنا جيداً بحيث لا يجب ان تدمر او تزاح. يجب ان تبقى كي يراها أحفاد احفادنا. ولذا سأبذل قصارى جهدي كي اكلم كل من اقدر على مكالمته.
اكبر إمرأة سنّاً في القرية، الجدة ميّا اجابت: ” نريدها ان تبقى كما هي، مكان للذكرى، نريدها ان تبقى لنا لاننا نعرف دلالة أهميتها، انها ذات قيمة لنا وعزيزة علينا.
بسماعه لصيحات وشكاوى اهل القرية، فإن توما ازداد غيظاً. كيف يكون ان هذا المَعْلَم لأهل القرية ان يعامل هكذا بقلة الأحترام و النكران. لكن توما كان حكيماً بالقدر الذي يعلمه في ان يجيبه الحكومة فكأنما مثل داؤد يجيبه ثانية كَليات، فمن الؤكد ان داؤد هذه المرة سوف يخسر بالتأكيد. الآن علم ان عليه ان يأتي بطريقة للحفاظ على صخرة الأستراحة كي تبقى ذكراها حية.
وحتى من غير وجودها، كان عليه ان يجد طريقة لتكون ذكراها ورسالتها حية في قلوب الأجيال القادمة. ومباشرة فكر في موني ، كيف سيتعامل جيلها مع هذه الخسارة. وعندما تأكد توما من انه قد بعث الاطمئنان في قلوب القرويين من حوله، توجه الى بيته وهو يعلم أن انه لن ينال قسطاً من الراحة لانه سيكون تفكيره كيف يجد حلاً المسألة. وفي الصباح التالي رافقت موني جدها على الطريق ومروا بجانب بلدوزر ضخم. أخذ توما حفيدته وهو يعلم جيداً انها المرة الأخيرة التي سيرون فيها صخرة الأستراحة ولذا ستكون زيارة توديعية. لم يكن توما يدري ان موني تعلم كل تفاصيل الأيام الأخيرة لصخرة الأستراحة لكنها اثبت له انا تعلم انه لن تكون هناك زيارات من الآن فصاعداً. وعندا سألها هل سيكون امراً طبيعياً لها انها لن ترى الصخرة فيما بعد. اجابت: ” جدي، أَعلم ماذا يجري الآن وذا سوف يكون اليوم الأخير اجلس فيه فوق هذه الصخرة الجميلة. وأضافت تغمرني راحة البال إذ اعلم الآن ان ذكرى صخرة الأستراحة ستبقى معي مثلما ظلت معك، وانا سأنقل حكاية الصخرة ال الى أولادي مثلما فعلت معي. اما توما فإنه تعجب ان هذه الكلمات تصدر من حفيدته موني.
لقد كان دوماً يقلل من قدرات هذه الطفلة التي هي حكيمة أكثر من عمرها. تصريحها هذا أعطاه الأمل وحضن حفيدته قوياً وهما في طريقهما الى الصخرة.
وحين وصولهما ، جلسا على الصخرة واستمتعا بكل الذي منحهما المنظر الجميل والأصوات الشجية من حواليهما. رغم ان المنظر كان كما كان من قبل لكن الأمر كان متعلقاً بالصورة نفسها التي اعطتهما الراحة وضاعفت من فرحتهما.
وبعد ان ارتاحوا قليلاً، خاطب توما الصخرة قائلاً: ” يبدأ لي انكِ حزينة و وحيدة هذا اليوم، وكأنك تعرفين مصيرك . كنت اتمنى لو ان بمقدوري ان افعل شيئاً لإنقاذك. جميع اهل منكَيشي يحبونك ونحن نعلم انك تحبيننا، ولذا فإننا دوماً سنكون متمنين لك.
بعد هذا كان ذهول توما ان الصخرة اجابته، ولكن في اعماقه كان ثمة جزء اً لم يصبه الذهول من ان الصخرة اخذت حياتها. وبصوت جهوري وهي تتكلم بإخلاص ، ردت الصخرة: ايها الشيخ العزيز الحكيم ، اني اكلمك واكلم حفيدتك موني. بالرغم من المي البالغ والذي تضاءل بوجودكما ، رجائي ان تسمع قصتي وتشارك بها الجميع، حتى تعرفها كل الأجيال:
من زمن غابر كان ثمة صخرة استراحة
أحبت كل ناس القرية
كانت هدية الطبيعة
لعدة قرون الأطفال غنّوا
ضحكوا ولعبوا قربها؛
رجال ونساء خففوا من تعبهم،
وهم يرتاحون هنالك؛
الكل كان راض،
القرية كانت مطمئنة.
سعادتها كانت مضمونة
وهي ترى المجتمع يزدهر،
و تدرك أن ناسها متوحدين
ثم جاء الدمار،
صخرة الأستراحة ازيلت
مثلها مثل معبد بيث كَاشي
هكذا كان مكتوباً ان يحدث
كل اللأشياء العظيمة لا تدوم الى الأبد،
لكن، الذكريات العظيمة تدوم
الى الأبد ودوماً
قفوا متماسكين ومتكاتفين
اتحدوا لمجابهة صعوباتكم
لتحقيق حقوقكم
يمكن ان تخفقون
لكن تنالونها
كافحوا كي تحفظوا الذكرى
كي تكونوا احرار
كي تروا الفضاء الأزرق فوقكم
وتشمّوا الهواء الصافي واللطيف
هواء منكَيشي؛
من غير خوف في قلوبكم،
ولا حزن في انفسكم
كونوا سعداء لان لكم بعضكم البعض
كونوا سعداء لأنكم تتذكرون،
أوقاتنا التي قضيناها سوية،
الى الأبد ودوماً
كان الحزن يبدوا واضحاً على توما وموني، لكن روحهم كان تحلق عالياً بسماعهم كلمات الصخرة. موني بخشوع ردت: ” عزيزتي صخرة الأستراحة، اوكد لك اني سأترك بهذه هذه الكلمات لتبقى حية الى الأبد، وسأبذل جهدي بأن ايامك لن تنسى وان جيلي سوف يحمل جوهرك خلال حياتهم.
وبعد ذلك توما وموني لمسوا الصخرة للمرة الأخيرة و غادرا المكان في رحلة طويلة صامتة الى البيت.
بعد رجوعهم الى القرية كانت مشاعر الأسى باينة عليهم. صخرة الالأستراحة التي لا تثمن والتي أضاءت ايام الصغار والكبار والتي حملت الذكريات لقرون عديدة ومن جيل الى جيل ، كانت ستدمر في اليوم التالي. ذكريات اهل القرية عن الصخرة جاءت تسرع اليهم ولذا فإنه لفهم حزن لا يواسي.
في قداس الأحد جلسوا في الكنيسة صامتين وهم يسمعون دوي قوي من بعيد . وحتى موعظة الكاهن لم تفلح ان ترفع الغبن الذي غطى اهل القرية. وبعد القداس، الكثير من اهل القرية هرعوا الى صخرة الأستراحة للوداع الأخير. ورأوا تواً الماكنة الثقيلة وهي تق*ت*لع الصخرة بكاملها لتترك لا شيء بل حفرة مدورة كبيرة . وإذ كانت عيونهم تملأها الدموع جاءت من الغرب سحابة سوداء ناصية انطلقت نحوهم لتقف فوق رؤوسهم وكأن السماء تبكي أيضاً. مرت السحابة السوداء عبر القرية منزلة مطراً مستمراً.
في اليوم التالي لا احد اخذ ماشيته الى صخرة الأستراحة، ولا أحد ابتسم للآخر في طريقهم الى الحقول. ولا احد زار الهوة الكبيرة في الأرض التي حدثت بسبب اق*ت*لاع الصخرة العجيبة. خمول وكسل وقع على السكان ليكون مثلهم مثل الغيمة السوداء التي بقت معهم طوال النهار.
في تلك الليلة حينما نامت موني ، حلمت بصخرة الأستراحة. في الحلم حدثتها الصخرة بصوت خافت قائلة: ابنتي ، انت لست لوحدك . الطبيعة الأم وهبتني الى اهل القرية، والأعداء لا يمكنهم ان يزعجوا او يكثرون على الطبيعة الأم. عليك أن تفعلي الذي اقوله لك . أريدك أن تجمعي الحجارة الباقية من اثري وتوزيعنه على اهل القرية وتُذكّرين كل واحد منهم بما قلته لك سابقاً حين كنتِ مع الحكيم توما. انشري الرسالة مع قطعة مني كرمز للأمل و الأيمان. اخبريهم اني لم اكن الا مادة ملموسة لكن رسالة الوحدة هي التي يجب ان يحملوها في قلوبهم . اشكرك على رباطة جأشك يا حبيبتي موني. كنتُ أعلم أنك مميزة منذ أن جلبك توما لاول مرة معه لزيارتي.
في اليوم التالي وعلى مائدة الفطور أخبرت موني كل من توما وسارة بالذي حدث في حلمها. نظر كل من توما وسارة الى بعضهما البعض كانهما يدركون ان موني كانت مميزة وجاءت الى الدنيا لغاية مميزة. وبعد أن اخذوا الأكياس والحاويات لجمع بقايا الصخرة من الأحجار. الثلاثة تجرأوا للنزول الى الحفرة في الأرض التي كانت يوماً موضع الصخرة، وقضوا كل الظهيرة يجمعون كل ما استطعاعوا من قطع بقايا الصخرة.
حينما رجعوا، موني وتوما، ذهبوا من بيت الى بيت ينشرون وصية الصخرة العظيمة. يعطون كل واحد قطعة حجر للأعتزاز بها ، كي تُذكِر مُستلمي هذه البقايا من الصخرة بأن عليهم ان ينشروا رسالة الوحدة. سكان القرية وجدوا في ذلك بعض العبء من الوزر الثقيل قد رفع عن كاهلهم وكأن أمل جديد انبثق فيهم.
وإذ مرت السنين، وبعض الأفراد غادروا الدنيا وآخرين كبروا ، الوالدين أخبروا ابناءهم وهؤلاء أخبروا ابناءهم ايضاً. وهكذا نقلوا بقايا الصخرة مثل كنز موروث من جيل الى جيل.
اما موني حينما كبرت رأت ان الأطفال يلعبون بالحجارة وكانت تسمع ذويهم يروون القصص والذكريات عن صخرة الأستراحة . ذلك ادخل الدفء الى قلبها اذا أيقنت انها اكملت وعدَها في محبتها لصخرة الأستراحة، وطبعاً اوفت بوعدها الى جدها المح*بو-ب، توما. ثلاثتهم أرادوا نفس الشيء لسكان قريتهم منكَيشي كي يعرف السكان اصلهم، ومن أين جاءوا ويكونوا فخورين بالذكريات التي حققوقها، وان لا شيء ولا أحد يمكنه ان يأخذ منهم ذلك الأحساس بالفخر.
موني كان لها احساس القناعة في داخلها وعلمت ان ارث سكان قريتها لن يطويه النسيان.
صخرة الاستراحة أصبحت رمز القوة والمحبة للناس. وحتى ان البعض حاول ايذءاها لكن احجارها بقيت قوية، موجودة هناك دوماً في مكان آمن في عالم مضطرب تُذكِّر زوارها بثبات : كونوا فخورين بما انتم وبكل الذين سبقوكم
حنا شمعون / شيكاغو
٦ أيلول ٢٠٢٥
موضوع جميل وبحث رائع للأخ فرنسيس خوشو الذي سجل لنا وللأجيال كل ما يتعلق بصخرة كانت شهيرة وإسمها ما يزال صامداً يعبر عن المكان الذي كانت فيه الصخرة قبل إزالتها لتبليط الشارع الجديد الذي يربط القرية بالشارع الذي يربط دهوك بقضاء العمادية . سرد فصل عن تاريخ وجود الصخرة إلى يوم إزالتها مع ذكر أهميتها لموقع للإستراحة لكل عابر من أمامها من القادمين من الكروم والجبل والحقول البعيدة لينالوا قصطاً من الراحة أمام ظلها. قطرا دمنيختني كان من الصخور الشهيرة بين صخور مانكيش كقطرا ددكِر وقطرا قاطينو وغيرها. هذا الكتاب ينفع لقرائته على أطفال مانكيش للمرحلة الإبتدائية كقصة تاريخية معبرة تنقل إليهم محتويات صفحة من صفحات تاريخ مانكيش ليتعرفوا أيضاً عن حياة أجدادهم في الزمن الماضي. شكر وتقدير
للأخ فرنسيس وللأخ المترجم حنا شمعون الذي شارك الكاتب بنقل جزء من أخبار تراثنا إلى أبناء هذا الجيل والأجيال القادمة ، وإلى المزيد من العطاء لكشف أسرار ماضي مانكيش .