مليارات تُجبى يومياً من العراقيين… فأين تذهب؟
تتصاعد في العراق تساؤلات حادة حول مصير المليارات التي تجبيها الحكومة يومياً من المواطنين تحت شعار “تعظيم الواردات”، في وقت الذي لمس العراقيون شيئاً من الخدمات ولكنه لازال يشكون من ضعف الخدمات العامة وارتفاع تكاليف المعيشة التي لا تتناسب مع الدخل الشهري من لرواتب المواطنين.
فإلى جانب عائدات النفط، هناك شبكة واسعة من الجبايات تمتد إلى معظم مؤسسات الدولة، لكنها لا تُترجم إلى مشاريع ملموسة ومتطورة أو تحسين في حياة الناس تتناسب مع الموازنات الضخمة التي تصرف سنوياً للتشغيل واعادة الإعمار.
ونرى في الاونة الاخيرة رفض شعبي لبعض الجبايات التي تؤثر على كاهن المواطن البسيط، ففي وزارة التعليم العالي تم اقرار الاستيفاء لجميع الطلبة المقبلين على التسجيل وكذلك المتخرجين للحصول على وثائقهم الدراسية وتم فرض أكثر من (66 ألف دينار) تُجبى من كل طالب عند التسجيل والتخرج في الجامعات الحكومية والأهلية، وهو رقم يتضاعف ليبلغ مليارات الدنانير سنوياً مع مئات الآلاف من الطلبة، كما يضاف إلى ذلك رسوم الامتحان الوطني الشامل التي تصل إلى (90 ألف دينار)، مما يجعل قطاع التعليم مصدراً ثابتاً لواردات ضخمة.
أما قطاع الصحة، فرغم أن المراجع يدفع (3000 دينار) أجور دخول في العيادات الشعبية، فإنه لا يجد الأدوية متوفرة في صيدليات المستشفيات، ويضطر لشرائها من الخارج بكلفة مضاعفة، ومع مئات الآلاف من المراجعين يومياً تصبح هذه الرسوم مصدراً مالياً مهماً لكنه غير منعكس على مستوى الخدمة الصحية المقدمة للمواطن.
وتواصل وزارة الداخلية جباياتها عبر معاملات الأدلة الجنائية، والفحص الطبي، وإجازات السوق، وغرامات السرعة المرورية ومخالفات الوقوف، والجواز الإلكتروني، والبطاقة الوطنية، حيث تفرض رسوماً مرتفعة نسبياً على كل معاملة.
أما وزارة النقل، فهي الأخرى تستوفي أموالاً من معاملات السفر والتنقل الداخلي والخارجي فضلاً عن شركات الطيران الدولية التي تُحلق في سماء العراق التي تدفع ما يُقارب من 200$ الى 400$ يومياً عن مرور اي طائرة ضمن الاجواء العراقية.
إلى جانب ذلك، تُعتبر المنافذ الحدودية والجمارك من أكبر منابع الأموال للدولة، إذ تُحصل مليارات الدنانير يومياً من الرسوم الكمركية والضرائب على البيع والشراء والتصدير فضلاً عن الجبايات المتفرقة في دوائر البلديات والماء والكهرباء التي تكفي أموالها بتزويد الكهرباء لعموم البلاد خلال دورة حكومية وبرلمانية امدها 4 أعوام! .
ومع كل هذه الواردات غير النفطية، لا يزال المواطن يواجه السؤال ذاته:أين تذهب هذه الأموال؟ مع تأكيد اعلان الحكومة عن أن الموازنة تُستهلك في الرواتب والنفقات التشغيلية، وأن الجزء المتبقي يُخصص للتنمية والمشاريع، لكن واقع الحال يُظهر فجوة كبيرة بين حجم ما يُجبى وبين ما يلمسه المواطن في حياته اليومية الذي يرى التطوير عبر الاستثمار الذي يُنفذه كبار التجار ضمن القطاع الخاص.
إن غياب الشفافية في إدارة هذه الموارد، وعدم وضوح أبواب صرفها، يضاعف أزمة الثقة بين المواطن والدولة.
العراقيون يدفعون مليارات الدنانير يومياً، لكنهم يعيشون في ظل خدمات متردية وضرائب ورسوم تتجاوز قدرتهم المعيشية، فيما تبقى الإجابة عن السؤال المركزي: هل ستبقى هذه الأموال تذهب إلى جيوب الفساد والهدر، أم ستتحول يوماً ما إلى مشاريع تنموية حقيقية تعيد ثقة المواطن بوطنه؟