
هل كانت كنيسة المشرق «نسطورية» فعلاً؟
يُعدّ توصيف كنيسة المشرق بأنها «نسطورية» من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ المسيحية الشرقية. غير أن الدراسات السريانية الحديثة (Syriac Studies) تميّز بدقة بين:
- إدانة نسطور في القرن الخامس
- التطور اللاهوتي المستقل لكنيسة المشرق داخل الدولة الساسانية
- استعمال مصطلح «نسطورية» في الأدبيات البيزنطية واللاتينية
تهدف هذه المقالة إلى الإجابة علميًا عن السؤال:
هل كانت كنيسة المشرق نسطورية بالمعنى اللاهوتي الدقيق؟
أولاً: السياق التاريخي والسياسي بعد مجمع أفسس (431م)
أُدين نسطور في مجمع أفسس بقيادة كيرلس الإسكندري.
لكن كنيسة المشرق لم تكن جزءًا من البنية الكنسية للإمبراطورية البيزنطية، بل كانت داخل الدولة الساسانية الفارسية. وقد سبق ذلك:
- مجمع ماركابتا (424م) الذي أعلن استقلال كرسي قطيسفون عن التدخلات الغربية.
- هذا الاستقلال كان ذا بُعد إداري وسياسي، إذ كانت الكنيسة تعيش في دولة على عداء مع بيزنطة.
يشير الباحثون إلى أن هذا السياق ساهم في تمايز الكنيسة عن اللاهوت الرسمي للروم، دون أن يعني تبنّيًا حرفيًا لتعليم نسطور.
مراجع:
- David Wilmshurst, The Ecclesiastical Organisation of the Church of the East
- Baum & Winkler, The Church of the East: A Concise History
ثانيًا: مدرسة الرها ونصيبين – الجسر اللاهوتي
بعد إغلاق مدرسة الرها سنة 489م في عهد الإمبراطور زينون، انتقل عدد من اللاهوتيين (ومنهم نرساي) إلى نصيبين داخل الأراضي الفارسية.
مدرسة نصيبين أصبحت المركز اللاهوتي الأهم لكنيسة المشرق، وتأثرت بوضوح بمدرسة أنطاكية، وخاصة:
- ثيودور المصيصي (Theodore of Mopsuestia)
- التقليد الأنطاكي في التمييز بين الطبيعتين
هذا التطور كان تدريجيًا ومؤسساتيًا، وليس مجرد تبنٍ مباشر لنسطور.
مرجع:
Sebastian Brock, The Church of the East
ثالثًا: مجمع بيث لابات (484م) وتبلور الخط اللاهوتي
في مجمع بيث لابات (المعروف أحيانًا بمجمع أقاق)، تبنّت الكنيسة رسميًا اللاهوت المتأثر بثيودور المصيصي، مما رسّخ استقلالها اللاهوتي عن بيزنطة.
لكن هذا لا يساوي تبنّي الصيغة التي أدين بها نسطور في أفسس، إذ إن صياغات الكنيسة تطورت لاحقًا بشكل مستقل.
رابعًا: باباي الكبير (القرن السابع) وصياغة العقيدة
يُعد باباي الكبير (ت. 628م) الشخصية الأهم في ضبط العقيدة الكريستولوجية لكنيسة المشرق.
في كتابه «كتاب الاتحاد» صاغ التعليم كالتالي:
- المسيح شخص واحد (Parsopa)
- بطبيعتين كاملتين (Kyane)
- لكل طبيعة «قنوما» (Qnoma)
إشكالية المصطلحات
- المصطلح السرياني Qnoma لا يطابق تمامًا المصطلح اليوناني Hypostasis.
- وقد أكدت الدراسات الحديثة أن جزءًا من الخلاف كان ناتجًا عن اختلاف دلالات المصطلحات بين السريانية واليونانية.
مرجع أساسي:
Sebastian Brock, “The ‘Nestorian’ Church: A Lamentable Misnomer”
خامسًا: هل كانت الكنيسة تُجلّ نسطور؟
تُدرج كنيسة المشرق نسطور ضمن معلميها في بعض تقاليدها الليتورجية، وتلقّبه بـ«الملفان اليوناني».
غير أن تبجيل شخصه لا يعني بالضرورة تبنّي الصيغة اللاهوتية التي أدين بها في أفسس.
سادسًا: إعلان 1994 الكريستولوجي المشترك
في سنة 1994، وُقّع إعلان كريستولوجي مشترك بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الآشورية الشرقية، أكد:
- الإيمان بالمسيح كشخص واحد
- بطبيعتين كاملتين
- دون اختلاط أو انفصال
وقد أقرّ الطرفان بأن الخلاف التاريخي كان إلى حدّ كبير ذا طبيعة مصطلحية ولغوية.
مرجع:
Vatican–Assyrian Common Christological Declaration (1994)
لماذا استُخدم مصطلح «نسطورية»؟
المصطلح ظهر في الأدبيات البيزنطية بعد 431م لوصف كل من رفض قرارات أفسس.
ثم انتقل إلى الأدبيات اللاتينية، ومنها إلى العربية.
لكن الاسم الذاتي الرسمي للكنيسة ظل:
كنيسة المشرق (ʿĒdtā d-Maḏnḥā)
مرجع:
The Oxford Dictionary of the Christian Church
الخلاصة
وفق الدراسات المتخصصة:
- لم تكن كنيسة المشرق «نسطورية» بالمعنى الهرطوقي الذي أدين في مجمع أفسس.
- تطورها اللاهوتي كان مستقلًا داخل السياق الساساني.
- جزء مهم من الخلاف كان مصطلحيًا بين السريانية واليونانية.
- وصفها بالنسطورية هو توصيف تاريخي تقليدي، لكنه غير دقيق لاهوتيًا في ضوء البحث الحديث.
المراجع المعتمدة
- Sebastian Brock
- David Wilmshurst
- Baum & Winkler
- The Oxford Dictionary of the Christian Church
- Vatican–Assyrian Common Christological Declaration (1994)