مقالات

سرقة الجوارب أمام القضاء: حين تتحول السرقة التافهة إلى ملف

في خبر عابر قد يمرّ على القارئ من دون كثير انتباه، أعلنت قيادة شرطة محافظة الأنبار إلقاء القبض على امرأة في سوق الرمادي، ضُبطت بحوزتها جوارب ومناشف وكرزات، بعد شكاوى متكررة من أصحاب المحال. خبرٌ يبدو بسيطاً، لكنه يفتح باباً قانونياً واجتماعياً بالغ الخطورة: كيف يتعامل قانون العقوبات مع سرقات تافهة القيمة في زمن تغيّرت فيه قيمة المال جذرياً؟

من الناحية القانونية البحتة، فإن الفعل المرتكب يندرج، من حيث الوصف المجرد، ضمن ج#ريم*ة السرقة. غير أن قانون العقوبات العراقي لم يتعامل مع السرقة بوصفها كتلة واحدة، بل فرّق بين سرقات جسيمة وخطيرة، وأخرى بسيطة محدودة الأثر. ولهذا السبب تحديداً، جاءت المادة (446) لتضع إطاراً أخفّ للعقوبة، فنصّت على معاقبة السرقة بالحبس إذا وقعت في غير الأحوال المشددة، وأجازت استبدال الحبس بالغرامة إذا كانت قيمة المال المسروق لا تزيد على دينارين.

هنا تبدأ المفارقة القانونية. فالديناران، اللذان كان لهما وزن حقيقي عند تشريع النص سنة 1969، لم يعودا اليوم يمثلان قيمة تُذكر. التضخم لم يلتهم القوة الشرائية للدينار فقط، بل ابتلع معه الفلسفة التي قام عليها النص. ديناران في خمسينيات القرن الماضي كانا كافيين لشراء احتياجات معتبرة، أما اليوم فلا يشتريان حتى كيس نايلون. وبذلك أصبح النص قائماً شكلاً، معطلاً مضموناً.

لو افترضنا أن قيمة الجوارب والمناشف والكرزات المضبوطة كانت زهيدة، بل تكاد تكون تافهة اقتصادياً، فإن منطق العدالة الجزائية كان يقتضي أن تُعامل هذه الواقعة كجنحة بسيطة عقوبتها قابلة للاستبدال بالغرامة، لا أن تدخل في مسار الحبس والإجراءات الجزائية الكاملة. غير أن القاضي، مهما بلغت مرونته، يبقى مقيّداً بحرفية النص. فإذا كانت قيمة المسروقات تتجاوز سقف الدينارين، فإن باب الغرامة يُغلق تلقائياً، ويُفتح باب الحبس، حتى لو كانت السرقة في جوهرها محدودة الأثر ولا تنمّ عن خطورة إجرامية حقيقية.

المشكلة هنا ليست في تطبيق القانون، بل في القانون ذاته. النص لم يُراجع منذ عقود، ولم يُحدّث ليتلاءم مع الواقع الاقتصادي الجديد. وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة مؤلمة: سرقة بسيطة بدافع الحاجة أو الفقر أو الاضطراب الاجتماعي، تُعامل بذات الأدوات القانونية التي تُعامل بها سرقات أشد خطورة، فقط لأن المشرّع لم يحدّث رقماً مالياً تجاوزه الزمن.

من زاوية علم الإجرام، تُعدّ السرقات التافهة من الجرائم التي ترتبط غالباً بالهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، لا بالميل الإجرامي المنظّم. ومعالجتها بالعقوبة السالبة للحرية قد تكون أكثر ضرراً من نفعها، لأنها تدفع الجاني البسيط إلى الاحتكاك ببيئة إجرامية أوسع، وتحوّل خطأً محدوداً إلى مسار إجرامي متكرر. ولهذا تتجه التشريعات الحديثة إلى توسيع نطاق الغرامات، والعمل المجتمعي، والتدابير البديلة في مثل هذه الحالات.

لو كان سقف المادة (446) محدّثاً ليواكب الواقع، وليكن مثلاً خمسين ألف دينار، لكان بالإمكان احتواء هذه الواقعة قانونياً من دون زجّ المتهمة في دوامة الحبس. كان يمكن للقانون أن يحقق الردع والعدالة معاً، من دون إفراط ولا قسوة، ومن دون تحويل الجوارب إلى قضية جنائية ثقيلة.

هذه القضية الصغيرة تضع أمامنا سؤالاً كبيراً: هل نريد قانوناً يطبّق نصوصه بحرفية جامدة، أم قانوناً يقرأ الواقع ويتفاعل معه؟ إن مراجعة النصوص المالية في قانون العقوبات لم تعد ترفاً تشريعياً، بل ضرورة قانونية. فالقانون الذي لا يرى تغيّر قيمة المال، قد يُنصف النص، لكنه يظلم الإنسان.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى