مقالات

خاطرة في طريق الوعي الإنساني – غالب العاني

خاطرة في طريق الوعي الإنساني المطلوب..
د.غالب العاني—
.10/ 1/ 2026.

” زبط الحرية بالعدالة،
وربط التقدم بالأخلاق،
هو طريق الوعي الانساني
المطلوب…

ليست أزمة البشرية اليوم أزمة موارد، ولا نقص معرفة، ولا قصورًا في العلم أو التكنولوجيا؛
إنها، في جوهرها العميق، أزمة وعي.

لقد بلغ الإنسان مستوى غير مسبوق من القدرة والتقدّم، لكنه لم يبلغ بعد الدرجة الأخلاقية التي تمكّنه من إدارة هذه القدرة بحكمة ومسؤولية. فالعلم تقدّم بخطى متسارعة، بينما الوعي تأخّر؛ والقوة تعاظمت، فيما المسؤولية انكمشت. وهنا تتّسع الثغرة التي يتسرّب منها الخطر، لا على الإنسان وحده، بل على الكوكب بأسره.

تجربة روّاد الفضاء، ولا سيما ما عبّر عنه رائد الفضاء رون غاران بعد عودته من المدار، تضعنا أمام حقيقة صادمة وبسيطة في آنٍ واحد:
من خارج الأرض، تختفي الحدود، وتسقط أوهام الانقسام، ويظهر كوكب واحد هشّ، معلّق في ظلام الكون، تحيط به طبقة رقيقة من الغلاف الجوي تختزن سرّ الحياة كلّه. هناك، ينكشف الوهم الأكبر الذي نعيش في ظلاله: وهم الانفصال.

إن الوعي الإنساني المطلوب هو وعيٌ يدرك أن البشرية تشكّل نظامًا واحدًا مغلقًا، لا بدائل له ولا مهرب منه.
وعيٌ يفهم أن الأرض ليست موردًا بلا نهاية، بل شرط الوجود ذاته.
وعيٌ يعيد ترتيب الأولويات على نحو عقلاني وأخلاقي: الكوكب أولًا، ثم المجتمع، ثم الاقتصاد، لا العكس.

فالنمو الذي يدمّر شروط الحياة ليس تقدّمًا، بل تآكلٌ بطيء للمستقبل.
والصراعات التي تُخاض باسم الهوية أو المصالح، تبدو – من منظور كوني – عبثية وقصيرة النظر، لأن الملوّثات لا تحمل جنسية، والمناخ لا يعترف بالحدود، والضرر الذي يبدأ في بقعة ما لا يلبث أن يمتد أثره إلى الجميع.

الوعي المطلوب ليس تراكمًا للمعلومات، بل تحوّلًا جذريًا في النظرة:
من عقلية السيطرة إلى عقلية الرعاية،
ومن منطق الربح الآني إلى منطق الاستدامة،
ومن ثنائية “نحن وهم” إلى حقيقة واحدة لا تقبل التجزئة: “نحن”.

وحين يبلغ الإنسان هذا المستوى من الوعي، لا يشعر بالصِغَر أمام الكون، بل بالمسؤولية تجاه الحياة.
مسؤولية حماية الأرض، وصون الكرامة الإنسانية، وربط الحرية بالعدالة، والتقدّم بالأخلاق.

إن معركة البشرية الحقيقية في هذا القرن ليست معركة سلاح أو نفوذ،
بل معركة وعي.
إما أن نرتقي إلى مستوى إنسانيتنا المشتركة،
أو نستمر في الدوران داخل أوهام التفوّق والانقسام… حتى الانكسار.

وفي هذا الطريق، لا يكون الوعي ترفًا فكريًا،
بل ضرورة وجودية.

• إ

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى