تهنئة البطريرك آوا؟ الخفايا والدلالات
تلقى البطريرك الجديد بولس الثالث نونا المنتخب حالياً بطريركاً لكنيسة الكلدان رسالة التهنئة بالمناسبة، من البطريرك آوا الثالث للكنيسة الاشورية المستحدثة عام 1976 والمنشقة من كنيسة المشرق القديمة، اختلفت في سياقها الفكري الخطابي عن باقي رسائل التهنئة الواردة من رجال الدين والمدنيين، فاحتوى نصها على خفايا تعد إشارات لمعاني ضامرة غير مصرح بها واقصائية، وهذا ما لاحظه العديد من المهتمين والمتابعين. مما أجلى التهنئة من سياقها التقليدي المألوف لتولية المرسل اليه منصباً رفيعاً الى خطاب سياسي ودعوة مبطنة لوضع خطة لإدراج الكلدان لتبني القومية الاشورية.
تُفسر مثل هكذا خطابات استغلال فرصة للتعبير عن مكامن النفس العميقة وربطها بالتذكير بصداقة قائمة بينهما كمدخل عاطفي والاستمرار في التعبير تحت تأثير نزعة سياسية مؤدلجة جلية بعيدة عن نزعة رجل الدين، متأثراً بالأمجاد التاريخية وعظمة الامة، والا لم يقتض ذكر كلمة امتنا والقومية والشعب احدى عشرة مرة دون ذكر التسميات الصريحة مثلما هي في الواقع من الكلدان والاشوريين والسريان، حسبانا من المرسل بإمكانه خدعة القارئ والمتابع القومي والباحثين المختصين الكلدان.
فما هي القومية التي يرغب توحيدها يا ترى، بالطبع هي الاشورية تماشياً مع سياسة سلفه المرحوم البطريرك دنخا الرابع والأحزاب السياسية الاشورية الاقصائية، التي تؤكد على فرض الانتماء القومي بحسب أفكارهم على الاخرين، بدليل ما كرر من النغمة المألوفة لديهم في رسالته هذه، في قوله: (نؤمن ايماناً راسخاً بان الاشوريين والكلدان هم شعب واحد وجذور مشتركة، سواء على الصعيد الكنسي او القومي) منطقياً وعلمياً لا يمكن فرض ايمانكم هذا على الاخرين، لان الايمان في الانتماء القومي ليس بضاعة تُشترى وتباع او فرضها بالقوة والقانون او باتفاق عاطفي سياسي أيديولوجي او ديني، بل هي ظاهرة (بايو نفسية اجتماعية) مرتبطة بالمكنونات النفسية العميقة للفرد التي تدفعه للشعور لانتمائه الاثني القومي، واذا افتقد هذا الشعور، فلا أهمية لمقومات القومية الأخرى.، يفتخر ويعتز به ليكون موحداً مع جماعته بعقلها الجمعي الذي يتمركز سلالياً، ولا يمكن ان يتنصل منها لأنها تكونت تحت تأثير غريزة اثبات الذات والميل النفسي والاجتماعي. فلا جدوى لمحاولات الاقصاء في الحوارات والخطابات سواء صراحة او مستتراً.
اما مفهوم شعبنا دون تحديد التسمية له فهي خدعة سياسية لتمرير الاجندات، لان مفهوم الشعب مصطنع ومطاطي تحدده الجغرافية والسياسة، وقد يتكون من عدة اقوام كأن نقول الشعب العراقي او الكندي، وكذلك مفهوم الامة تحدده عوامل ثقافية حضارية او سياسية او دينية، كان نقول الامة الإسلامية او المسيحية او الامة الفرنسية.
فالوحدة المنشودة ليست بالاندماج والانصهار في فئة بشرية معينة على حساب الفئات الأخرى وخصوصياتها وهويتها القومية التاريخية التي تعتز بها، بل بالتعاون ووحدة الكلمة والمواقف والاحترام المتبادل للمطالبة بحقوقهم الثقافية. وعليه ذكر التسميات سواء للشعب او الامة او القومية باحترام وصراحة سوف نستدل على سلامة التفكير والنيات والعكس صحيح.
قال غبطته: سبق وان سعى البعض للتفريق عندما سعى كل من المرحومين البطريرك روفائيل بيداويذ والبطريرك دنخا الرابع للتقارب والوحدة، يا ترى من هم الذين فرقوا، أ ليس اكليروس الكنيسة الاشورية والأحزاب السياسية الاشورية في فرضهم تسمية القومية الاشورية لانهم خارقين في أوهام وسراب التاريخ والامبراطوريات والامجاد والفكرة التي رسخها (وليم ويكرام الانكليكاني) في ذهن العشائر النسطورية في هكاري مفادها، ينحدرون من اشوري نينوى، تلك الخدعة المأساوية التي ابتلت بها لحد هذا اليوم واثرت على باقي المسيحيين في العراق والبلدان المجاورة، كما قال المؤرخ المشهور(جون فييه) في مقال له (ان تضارب الآراء وكثرة الادعاءات الحاصلة خلال القرن العشرين لعبت أدوارا قاتلة في مجرى تطور هذه الجماهير ويقصد -الاشوريون المعاصرون- لأنها جعلت تعيش الخيال بأسماء رنانة اتخذوها لأحفادهم الأجيال المتأخرة من أسماء الملوك الاشوريين القدماء، انها مأساة حقيقية خلقت الانتساب الأسطوري الخرافي لاختلاق قومية اشورية او كلدواشورية فسببت التشرذم لهؤلاء منذ 1918.) وهذا ما يؤكده (سايكس) بانه اسطورة وتقليد متوارث ذات أصول ذكية من الانكلو س*-ك*سونيين، فهي كما يؤكد شفاليه لا علاقة لها البتة بأصل النساطرة الحقيقي ومثلهم العشرات من الاثنوكرافيين الذين زاروا المنطقة. (راجع كتاب ميشيل شفاليه، المسيحيون في هكاري وكوردستان الشمالية). وكما ثبتها أحد النساطرة المتعلمين (كورش يعقوب) الضابط في الجيش الاورمي في الحرب العالمية الاولى في مؤلفه (تاريخ الاشوريين) بقوله: (أن بعض الاشخاص قصدوا اورمية وروجوا فكرة أنتم اشوريون بين سكان المنطقة، واستغربنا لها ولم نقبلها في بادئ الامر).
وليس المفرقون من الكلدان الذين لا أحلام تاريخية لهم سواء الارتباط بالوطن والاعتراف بالواقع الذي نعيشه جراء التحولات التاريخية، والمشاركة الفعالة في بناء بلدنا العراق واينما يحلون في العالم.
أ ليس عدم الذكر محاولات البطريرك لويس ساكو المتكررة للتقارب والوحدة بين الكنيستين ووصلت دعوته للتنازل عن كرسيه وتقبيل الايادي ودعواته المتكررة للعمل الجماعي بين الأحزاب الاشورية والكلدانية، وعدم ذكر دعوات المرحوم البطريرك عمانوئيل دلي للاحترام المتبادل والاعتراف بالقوميات الثلاث هي لغاية مكبوتة؟
ادعو البطريرك آوا الثالث المحترم، اتباع أحد اسلافه البطاركة في الكنيسة النسطورية مار شمعون الذي قدم نفسه الى (هنري لايارد) مكتشف بقايا نينوى في زيارته الى قوجانوس في منتصف القرن التاسع عشر قائلا: انا مار شمعون بطريرك الكلدان المشرقيين (راجع كتاب لايارد) المعنون بقايا نينوى.
هذه هي الحقيقة الساطعة التي يؤمن بها كل كلداني غيور على قوميته بانه: أصل سكان العراق وفقا للمصادر الاكاديمية الرصينة غير المؤدلجة. ولغتهم كلدانية وعلمهم واضح جدا للجميع ومناسبات تاريخية مثبتة، ووطنهم هو العراق اليوم وبلدان الانتشار. ويمدون يد التعاون والعمل الجماعي وفقاً لمبادئ الاحترام المتبادل، واني على يقين بان البطريرك بولس الثالث نونا يتحلى بنفس الأفكار.
د.عبدالله مرقس رابي