الحوار الهاديء

بين الغريزة والعقل هل يضبط الأنسان سلوكه

الغريزة والعقل يمثلان ثنائية عميقة في تكوين الإنسان، فهما وجهان متكاملان لهبة الخالق التي منحت الإنسان خصوصيته وسموّه على سائر المخلوقات. فالقرآن الكريم أشار إلى الغريزة تحت مسمى “الشهوات” في مواضع عدة، مثل قوله تعالى: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ…”، وهي القوة الدافعة التي تُمكّن الإنسان من الاستمرار في الحياة، وتضمن بقاء النوع واستمراره، لكنها حين تنفلت من ضوابطها تتحول إلى قوة مدمّرة تقود صاحبها إلى الانحراف والفساد. لذلك جاءت الشريعة الإلهية لتنظيم الغرائز لا لقمعها، فحددت للغريزة الجنسية سبيلها المشروع في الزواج، ولغريزة التملك ضوابطها في الكسب الحلال، ولغريزة حب الذات توازناً يحول دون الأنانية والعدوان. وفي المقابل، جعل الله تعالى في الإنسان عقلاً هو أداة التمييز والإدراك، وبه يكون الإنسان مكلّفاً، فهو الذي يزن الأمور ويقود السلوك نحو الصواب. وقد أشار القرآن إلى العقل بلفظ “الألباب”، كما في قوله تعالى: “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ”، في دلالة على عمق التفكير والتبصّر الذي يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات.

من المنظور العلمي، الغريزة تُعد مجموعة من الدوافع الفطرية الموروثة، تتجلى في سلوك الإنسان منذ ولادته، وهي نتاج لتفاعل الجهاز العصبي والغدد الهرمونية مع الظروف المحيطة، بينما يُعتبر العقل ثمرةً عليا للنشاط الدماغي المعقّد، يمثل مركز التخطيط والاختيار والتفكير النقدي. وتؤكد علوم الأعصاب أن التوازن بين الجهاز الحوفي المسؤول عن الانفعالات والغريزة، والقشرة الجبهية المسؤولة عن التفكير واتخاذ القرار، هو ما يحدد مدى نضج الإنسان وسلوكه المتزن. فإذا طغى الجانب الغريزي على العقلي، اندفع الإنسان وراء لذاته دون وعي أو ضمير، أما إذا تغلّب العقل تماماً على الغريزة، فقد يفقد الإنسان حيويته ومشاعره ويتحول إلى آلة باردة التفكير.

ومن زاوية فلسفية، يمثل العقل في الفكر الإنساني مرآة للحرية والاختيار، فهو الذي يمنح الفعل الإنساني بعده الأخلاقي ويخرجه من دائرة الحتمية الغريزية التي تخضع لها الكائنات الأخرى. فالإنسان وحده يملك القدرة على أن يقول “لا” لرغباته، وأن يؤجل إشباعها من أجل غاية أسمى أو مبدأ أعلى. وهذا ما جعله محلاً للتكليف الإلهي، فالحيوان يسير وفق غريزته دون حساب، بينما الإنسان يُسأل عن فعله لأنه يعلم ويعي ويختار. ولذا فإن التكامل بين الغريزة والعقل هو جوهر إنسانية الإنسان؛ فالغريزة تمنحه الطاقة والحياة، والعقل يمنحه الاتزان والرشد. وحين يختل هذا التوازن، يختل المعنى الإنساني ذاته. فالحضارة الإنسانية لم تُبنَ إلا حينما وُظّفت الغرائز لخدمة العقل، وحينما وُجّهت الرغبات نحو الإبداع والعلم والبناء، لا نحو الفوضى والتهديم. وهكذا، يتجلّى الإعجاز الإلهي في هذا الكائن الذي جمع بين النار والطين، بين الشهوة والعقل، بين الميل إلى الأرض والحنين إلى السماء، ليكون خليفةً في الأرض بعقله، لا عبداً لشهواته، وليتحقق فيه قول الله تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ”.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى