مقالات

القضاء الدستوري بين المشروعية الدستورية واستقرار المجتمع –

أولت الدراسات الدستورية التقليدية اهتماماً واسعاً بالطبيعة القانونية للقضاء الدستوري، وعدّته النموذج الأمثل للرقابة على دستورية القوانين.
ولذلك يميل غالبية شرّاح القانون الدستوري إلى تفضيل الرقابة القضائية على الرقابة السياسية، لكونها تُمارَس من جهة قضائية متخصصة تتسم بالحياد والاستقلال. وتتمثل مهمتها الجوهرية في صون سموّ الدستور بشقيه الموضوعي والشكلي، فضلاً عن ضمان حماية الحقوق والحريات العامة.
ومن الصحيح القول إن الدستور، بوصفه القانون الأسمى والأعلى في البلاد، والذي يُحدّد شكل الدولة ونظام الحكم وينشئ السلطات العامة ويبيّن اختصاصاتها وينصّ على الحقوق والحريات، يُعدّ المسطرة الأساسية التي يستند إليها القضاء الدستوري. فمن خلاله يصدر أحكامه، ويستمد من نصوصه وروحه الأسس التي يبني عليها مناهجه وتوجهاته.
ورغم أنني من مؤيّدي الرأي الذي يدعو إلى ضرورة أن يضع القضاء الدستوري قيوداً ذاتية على نفسه عند ممارسة اختصاصاته، سواء في مجال الرقابة على دستورية القوانين أو في سائر الاختصاصات التي نصّ عليها الدستور، فإن ذلك يُعدّ مطلباً مهماً لضمان احترام مبدأ الفصل بين السلطات ومنع أي سلطة من تجاوز نطاق صلاحياتها.
ورغم أنني من المعترضين على تحميل القضاء الدستوري اختصاصات لا تنسجم مع طبيعته، نصّت عليها قوانين تصدرها السلطة التشريعية من دون سند أو تفويض دستوري، لأن هذا التوسّع يعدّ خروجاً عن الإطار الذي رسمه الدستور لهذه الجهة القضائية المتخصصة.
لكن في الوقت ذاته، يتعيّن ألا يكون القضاء الدستوري، عند ممارسته لاختصاصاته الدستورية، بعيداً عن الواقع العملي والظروف السائدة في المجتمع، بما يضمن صدور أحكام تتسم بالواقعية وتستجيب لاحتياجات البيئة القانونية والاجتماعية.
وللقضاء الدستوري، شأنه شأن القضاء العادي والإداري، سلطة تقديرية يمارس من خلالها فهمَ الواقع الذي يعيشه المجتمع والتعاملَ مع معطياته. ومن خلال هذه السلطة يصدر أحكامه بما يتيح له تحقيق هدفين متلازمين: الأول ضمان سموّ الدستور وأعلويته، والثاني الحفاظ على استقرار المجتمع وصون مصالحه العليا.
لذا، فإنني أتفق مع الرأي القائل إن القضاء الدستوري يراعي، في نطاق واسع، الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بما يُعرَض عليه، وذلك بحكم طبيعة اختصاصاته. فهو ليس قضاءً تطبيقياً يكتفي بإنزال أحكام الدستور بصورة آلية ومجردة، بل يتعيّن عليه التوفيق بين اعتبارين أساسيين: أولهما تعزيز المشروعية الدستورية من خلال ضمان التزام السلطة التشريعية بأحكام الدستور، وثانيهما الحفاظ على استقرار الدولة وصون المصالح الجوهرية للمجتمع من أي اضطراب أو مساس(2).
غير أن بلوغ هذين الهدفين لا يتحقق بتجاوز الدستور، بل بالالتزام بأحكامه والتمسّك بروحه، مع قراءة نصوصه قراءةً تتلاءم مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها، من دون الإخلال بثوابته أو المساس بسموّه.
_________________________________

1- د. أحمد كمال أبو المجد، مكتبة النهضة المصرية، مصر، 1960، ص441- 492.
2- د. يسري العصار، دور الاعتبارات العملية في القضاء الدستوري، دار النهضة العربية، مصر، 1999، ص6.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى