مقالات

الابن سرّ أبيه: حين تتحول الأملاك العامة إلى -إرث للصالحين-

انشغل الشارع العراقي بخبر “الصفقة الإعجازية” التي فجّر قنبلتها عضو مجلس محافظة النجف (أكرم شربة). الخبر يقول إن تيار الحكمة، بزعامة السيد عمار الحكيم، استحوذ على قطعة أرض بمساحة (3000) متر مربع في أرقى أحياء النجف الأشرف، وبسعر عشرة آلاف دينار فقط لا غير (اقل من سبعة دولارات)! .. نعم، عشرة آلاف (نطحت) ثلاثين مليار دينار بالتمام والكمال، هي القيمة السوقية الحقيقية للأرض، وما كادت الحكاية تنتهي بتبريرات زعيم التيار الغير مقنعة حتى تفاجأ أهالي النجف بنجله الأكبر وهو يحاول بنرجسية مقيتة ترسيخ نظرية أحقية أسرته بأرض النجف في عقول مستمعيه، وبدلا من أن يكحلها .. عماها وأضاع على والده فرصة إقناع الشارع العام بحججه !

هذه الحادثة ليست مجرد هفوة أسرية أو فساد عابر، بل هي استحضار لـ (إرث روحي) عميق وتطبيق عملي لما وراء الطبيعة. لقد أعادت هذه الواقعة إلى ذاكرتي حكاية (الألف المبارك) في بدايات التغيير عام 2004، حيث روى لي زميل صحفي أنه حضر ندوة للسيد الراحل (عبد العزيز الحكيم) عندما كان رئيساً لمجلس الحكم الانتقالي. وقبل البدء بالحديث عن هموم الوطن، دخل شخصان يحملان صينية مكللة بالقماش الأخضر، وفي وسطها رزمة جديدة من فئة (الألف دينار)، ليدوروا بها على الضيوف ويمنحوا كل منهم نصيبه ورقة واحدة من هذه الرزمة. وبينما كان الزملاء يتهامسون باستغراب عن سر هذه العطية المتواضعة التي تمنح لأقل المتسولين شأنا، قطع (الحكيم) الأب الشك باليقين قائلاً بلهجة الواثق: «أكيد انتم تتساءلون عن هذه الألف دينار ؟ .. هذه الألف لا تصرفوها، احتفظوا بها في خزائنكم واخلطوها مع أموالكم، فهي مباركة وستطرح الخير في أموالكم !».
ويبدو، أن السيد عمار الحكيم قد طبق (نظرية التكاثر) هذه حرفياً عن (الألف المبارك) لكنه قفز بها من مستوى (الندوات) إلى مستوى (العقارات). فالعشرة آلاف التي دُفعت ثمناً لأرض النجف ليست مجرد عملة نقدية، بل هي (عشرة مباركة) من سلالة ذلك (الألف) التاريخي، وهي قادرة على معادلة مليارات الدنانير في لحظة تجلٍّ واحدة.
ولكن المشكلة تكمن في (سوء الفهم) الذي انتاب الشارع النجفي؛ فالسيد عمار، في زحمة انشغاله بتشكيل الحكومة الجديدة وتوزيع الحصص، نسي أن إخبارهم بأن هذه العشرة آلاف هي عملة روحية عابرة لحسابات القيمة النقدية الحقيقية وقدرتها الشرائية، وبالتالي فان الـ (3000) متر من الارض، بالتأكيد هي غير خاضعة لقانون المزايدات العلنية ولا لتقديرات دائرة التسجيل العقاري. إنها فلسفة: (امنح بركة.. واقبض مقاطعة). وبينما يشيب شعر المواطن وهو يلهث خلف بضعة أمتار من الأراضي الزراعية وفي أطراف المدن بمدخرات عمره، يثبت تيار الحكمة أن (النية الصافية) والورقة الخضراء المباركة كفيلة بتحويل أرقى مساحات النجف إلى جيوب أسرة (عمار الحكيم) يتنعموا بها حلالاً بلالاً ! .. وإذا كان لديكم ذرة شك، فاستمعوا الى ما قاله (مهدي) النجل الأكبر، حين حسم الجدل بآية قرآنية قائلاً: «إن الأرض يرثها عبادي الصالحون»، معتبراً (وفق رأيه) أن (آل الحكيم) هم حصرياً (أولئك الصالحون)، وهم أصحاب الحق الشرعي في وراثة أرض النجف. وحقاً لا ندري، منذ متى تحولت الأملاك العامة للدولة إلى إرث لعائلة الحكيم ؟ .. وهل يحق لغيرهم في ارض النجف ما يحق لهم ؟.. أنه استغلال شائن للنفوذ السياسي، وتطويع سيء لسمعة العائلة الدينية للسطو القانوني والشرعي على مقدرات الدولة ؟

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى