ألوان من تحت الرمال: كيف كشفت الأبحاث الحديثة وجهاً
حقي الزبيدي
كشفت أبحاث أثرية ولغوية حديثة أن الحضارة السومرية والأكدية والآشورية في بلاد الرافدين لم تكن أحادية اللون كما كان يُعتقد سابقاً، بل اعتمدت منظومة متطورة من الأصباغ والدلالات اللونية التي شملت التماثيل، والجدران، والمنسوجات، وحتى اللغة اليومية. وتعكس هذه الاكتشافات فهماً معقداً للون تجاوز البعد الجمالي إلى وظائف اجتماعية ودينية وتجارية.
تماثيل ملونة وليس رمادية
لفترة طويلة، اعتاد زوار المتاحف العالمية على رؤية التماثيل الآشورية والسومرية بلونها الحجري الطبيعي (البيج أو الأسود أو الرمادي). لكن مشاريع بحثية متخصصة في تعددية الألوان أثبتت أن هذه التماثيل كانت تُطلى بألوان كاملة عند نحتها. وأظهرت التحليل الكيميائي لبقايا الأصباغ وجود آثار للون الأحمر على الشفاه، والأسود على الشعر واللحى، والأزرق في العيون، والبني الداكن على بشرة بعض التماثيل الذكورية.
ويؤكد القائمون على هذه الأبحاث أن اللون في بلاد الرافدين لم يكن عشوائياً، بل كان يحمل رسائل محددة عن الجنس، والطبقة الاجتماعية، والأصل الجغرافي، والوظيفة الدينية.
اللغة تعكس رؤية مختلفة للطيف
كشفت دراسات في علم اللغة التاريخي أن المفردات الأكدية المستخدمة في وصف الألوان كانت تختلف جوهرياً عن التصنيفات الحديثة. فبدلاً من الاعتماد على “اسم اللون” (مثل أحمر، أصفر، أخضر)، كان التصنيف يعتمد على معايير السطوع، والتشبع، والإضاءة.
على سبيل المثال، استُخدمت كلمة واحدة “(w)arqu” للإشارة إلى كل من اللونين الأصفر والأخضر، مع تركيز الدلالة على “الشحوب” أو “النضارة”. وهذا يشير إلى أن سكان بلاد الرافدين كانوا يمتلكون نموذجاً إدراكياً مختلفاً للون مقارنة بالثقافات المجاورة مثل مصر أو اليونان.
صناعة الأصباغ وتجارة دولية
من الناحية التقنية، أثبتت المكتشفات الأثرية أن سكان وادي الرافدين استخدموا أصباغاً محلية ومستوردة. فقد عُثر في قصر نمرود الآشوري (شمال العراق الحالي) على بقايا صبغة “الأزرق المصري”، وهي مادة زجاجية زرقاء تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، ما يؤكد وجود شبكات تبادل تجاري بين حضارتي الرافدين ومصر القديمة.
أما بالنسبة للأحمر، فكان يُستخرج من جذور نباتية تُعرف في النصوص المسمارية باسم “خوراتو”، وهي كلمة تعني “الجذر الأحمر”. وكان إنتاج هذه الصبغة مكلفاً ويتطلب مواد مساعدة مثل الشب (الشبة) لتثبيت اللون على الأقمشة والجلود. تشير الوثائق إلى أن استخدام هذا اللون كان مقصوراً على البلاط الملكي وكبار الكهنة، وأنه كان يُؤخذ أحياناً كجزية من المناطق التابعة.
طريق اللازورد: أزرق أفغاني في معابد بابل
من أبرز قصص الألوان في بلاد الرافدين استخدام حجر اللازورد الأزرق، وهو حجر شبه كريم لا يوجد في الطبيعة العراقية. كانت مناجم بدخشان في أفغانستان المصدر الوحيد المعروف لهذا الحجر منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد.
وللحصول عليه، أسس تجار بلاد الرافدين واحدة من أقدم الشبكات التجارية الطويلة المدى في التاريخ، عُرفت باسم “طريق اللازورد”. كان الطريق يمتد لأكثر من 5000 كيلومتر، عبر الهضبة الإيرانية أو عن طريق البحر من وادي السند إلى الخليج العربي، ثم شمالاً إلى مدن سومر وأكد وبابل. استُخدم هذا الحجر في صناعة عيون التماثيل، والأختام الأسطوانية، والحلي الملكية، وكان يُعتبر رمزاً للقوة الإلهية والجمال السماوي.
خلاصة
تثبت الأدلة الأثرية واللغوية المتزايدة أن حضارة وادي الرافدين لم تكن مجرد حضارة طين وقصب، بل كانت حاضنة لمنظومة لونية متطورة جمعت بين الكيمياء والتجارة والدين والإدراك الحسي. وما يراه الزائر اليوم في المتاحف من تماثيل رمادية هو مجرد ظل باهت لما كانت عليه هذه المقتنيات في الأصل، قبل أن تفقد ألوانها تحت الأرض لآلاف السنين. ويعيد هذا الكشف تشكيل الصورة النمطية عن بلاد الرافدين، ويؤكد أنها كانت ملونة، حية، ومعقدة مثل أي حضارة كبرى في التاريخ.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.