آراء متنوعة

لغزُ الرئاسات وصراعُ المُسَميات

الدكتور رعد البيدر

انكشفَ أولُ ألغازِ الرئاساتِ الثلاثِ بانتخابِ هيبت الحلبوسي رئيساً لمجلسِ النوابِ العراقي في 29 كانون الأول 2025، في جلسةٍ حسمتِ الجدلَ، ووضعت حداً للتكهناتِ العقيمةِ والمناوراتِ السياسية. حوّلَ الانكشافُ ثقلَ المشهدِ بالكاملِ نحو المحطتينِ المتبقيتينِ في رحلةِ تشكيلِ السلطة، حيثُ لا تزالُ عقدتا اختيارِ رئيسِ الجمهوريةِ ورئيسِ الوزراءِ تبحثانِ عن مستقرٍّ لهُما داخلَ دهاليزِ التوافقاتِ الصعبةِ والموازينِ القلقة.

يبرزُ لغزُ اختيارِ رئيسِ الجمهوريةِ كعقبةٍ ثانيةٍ زادَ من تداخُل وتعقيدِ أبعادِها موقفُ مسعود بارزاني الأخير، الداعي إلى تغييرِ آليةِ تسميةِ المرشحِ لضمانِ تمثيلِ المُكوّن الكردي بعيداً عن الاستئثارِ الحزبي. يفرضُ الدستورُ حسمَ الملفِ خلال 30 يوماً من تاريخِ انتخابِ رئيسِ البرلمان، مما يجعلُ يوم 28 كانون الثاني 2026 موعداً نهائياً لحسمِ الشخصيةِ التي ستحملُ المقبوليةَ الكردية، أو المخاطرةِ بالعبورِ من بوابةِ كسرِ الإراداتِ تحتَ قبةِ البرلمانِ الاتحادي؛ وهي البوابةُ التي تعني القفزَ فوقَ التوافقاتِ السياسيةِ واللجوءَ لسطوةِ الأغلبيةِ العدديةِ لفرضِ خيارٍ أحاديٍّ يكسرُ موقفَ المعترضين، حيثُ يفرضُ المنطقُ العدديُّ كلمتَهُ الأخيرة.

تضعُ الرؤيةُ البارزانيةُ الاتحادَ الوطنيَّ الكردستانيَّ أمامَ ضغوطٍ وجوديةٍ تنزعُ منهُ صِفَةَ استحقاقٍ اكتَسَبَها عُرفياً، مما يجعلُ هويةَ القادمِ إلى قصرِ السلامِ رهينةَ القدرةِ على تحقيقِ إجماعٍ يمنعُ حالةَ الانسداد. سيبقى لغزُ اختيارِ رئيسِ الجمهورية معلقاً في حالِ استمرارِ التصلبِ في المواقف الكردية، معطلاً الانتقالَ إلى الخطوةِ الدستوريةِ التاليةِ المتمثلةِ بتكليفِ مرشحِ الكتلةِ الأكثرِ عدداً، في مهلةٍ لا تتجاوز 15 يوماً من يوم تسمية الفائزِ بمنصبِ رئيس الجمهورية، وهو سقفٌ زمنيٌّ ينتهي في 12 شباط 2026 في حالِ انتخابِ الرئيسِ في موعدِهِ الدستوريِّ.

سيبقى القيلُ والقالُ وكثرةُ السؤالِ طيلةَ الأيامِ الثلاثينَ المقبلةِ مادةً دسمةً للتداولِ في وسائلِ الإعلامِ وبينَ الناسِ في بيوتِهِم ومواقعِ أعمالِهِم وفي المقاهي السياسيةِ ومقاهي النرجيلةِ، تعلُقاً بالتكهناتِ العقيمةِ، وبانتظارِ الطريقةِ التي سيُحَلُّ بها اللغزُ الثاني. تتأرجحُ التوقعاتُ بينَ الوصولِ إلى حلٍّ عبرَ اتفاقاتٍ سياسيةٍ شاملةٍ تضمنُ التوازن، أو الرضوخِ لإملاءاتِ القوةِ والأوزانِ البرلمانيةِ التي قد تفرضُ واقعاً جديداً، ليبقى السؤالُ قائماً حولَ قدرةِ الأطرافِ على تجاوزِ لغةِ الصدامِ لصالحِ الاستقرارِ الدستوري.

تتجهُ البوصلةُ نحو تتابعٍ متلاحقِ الأطوارِ تنحلُّ فيهِ الألغازُ الثلاثةُ بعضُها إثرَ بعض، فما إن ينكشفَ لغزُ البرلمانِ حتى يفتحَ البابَ قصراً أمامَ لغزِ اختيارِ رئيسِ الجمهوريةِ ليتداعى بعده لغزُ اختيارِ رئيسِ الحكومةِ. يرتبطُ مصيرُ كلِّ عقدةٍ بفكِّ سابقتِها في تسلسلٍ تفرضه قوانينُ اللعبةِ والمددُ المتحكمةُ دستورياً، حيثُ تؤدي الانفراجُ في محطةٍ ما إلى تسريعِ الانهياراتِ في المحطاتِ اللاحقةِ وصولاً إلى الصورةِ النهائيةِ التي تغطيها ضبابيةُ الاحتمالاتِ.

ختاماً، ستكشفُ الأيامُ المقبلةُ أسماءَ مَن سيحظى بمنصبِ رئيسِ الجمهوريةِ ورئيسِ الحكومة، وتمكنَهم، أو تمكنَ مَن مكنهم لنيلِ المناصبِ دونَ المنافسينَ الآخرين، مما يقعُ خارجَ نطاقِ التوقعات، وعندها ينطبقُ المَثَلُ العراقيُّ: “الشاص شاص والحِمَل حِمَل”، والمثلُ يتعلقُ بالنخيلِ الذي حَمَلَ تمراً يأكلُهُ البشرُ، أو شيصاً قد لا تأكلُهُ حتى البهائمُ، ومَن يريدُ أن يعرفَ المزيدَ عن معنى المَثَلِ فليبحثْ عنهُ بنفسِه.. ملتقانا عندما يُحلُّ اللغزُ الثاني.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى