حرمان الجرحى من الرعاية الطبية في أثناء وجود النزاعات
كاوه عارب عمر
تُعد مسألة حرمان الجرحى من الرعاية الطبية في النزاعات المسلحة من أكثر القضايا حساسية وخطورة ، إذ تتقاطع فيها اعتبارات إنسانية بحتة مع التزامات قانونية صارمة تفرضها قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وفي ظل تعقيد النزاعات المسلحة الحالية، وتزايد دور الجماعات المسلحة غير الحكومية في صراعات المسلحة، لم يعد الوصول إلى الرعاية الطبية مجرد مسألة إنسانية، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الأطراف المتنازعة بالقانون والتزامات الدولية. ومع ذلك تتكرر حالات عديدة في الوقت الحالي من الصراعات القائمة في العالم اذ يُحرم فيها الجرحى من العلاج واسعافات الطبية، لا لسبب إجراءات طبية بحته ، بل بسبب انتماء الجرحى إلى طرف “معادٍ” في الصراع المسلح، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا هل يمكن اعتبار هذا الحرمان ج#ريم*ة حرب؟
حماية الجرحى: التزام قانوني لا يقبل الاستثناء والتميز
ان احد الأسباب ظهور القانون الدولي الإنساني او المعروف بقانون النزاعات المسلحة هو من اجل تقليل المعاناة ومنع التعامل لا إنساني حيث يضع القانون الدولي الإنساني قاعدة واضحة يجب تقديم اسعافات أولية و العلاج الطبي لجرحى والمرضى بدون الاستثناء الا في حالات الأولوية الطبية يجب احترامهم ورعايتهم دون أي تمييز بين الجرحى والمرضى.
فبموجب اتفاقيات جنيف، تلتزم جميع أطراف النزاع المسلحة بما في ذلك الجماعات المسلحة بجمع الجرحى وتقديم الرعاية الطبية لهم في جميع الأحوال. كما يؤكد القانون الدولي العرفي، كما ورد في دراسات اللجنة الدولية للصليب الأحمر قاعدة 110 ، أن هذا الالتزام مطلق، ولا يجوز الخروج عنه إلا في إطار الضرورة الطبية البحتة، مثل حالات الفرز الطبي التي تقوم على خطورة الإصابة، لا على الهوية أو الانتماء الجرحى و المرضى.
من هو “خارج القتال”؟
يعتبر عبارة الشخص “خارج عن القتال” وهو تعريف لحالة عندما يصبح المقاتل عاجزًا عن المشاركة في الأعمال العدائية، سواء بسبب إصابة، أو استسلام، أو فقدان للوعي. وفي هذه الحالة، يفقد صفته كهدف عسكري مشروع، ويكتسب حماية قانونية كاملة.
ولا يقتصر هذا المفهوم على المقاتلين النظاميين من افراد القوات المسلحة تابعة لدول، بل يشمل أيضًا أفراد الجماعات المسلحة تابعة لحركات و أحزاب سياسية، وحتى المدنيين الذين يشاركون بشكل مباشرة في الأعمال العدائية، إذ يستعيدون حمايتهم كمدني فور توقفهم عن المشاركة المباشرة في الاعمال العدائية، خصوصًا إذا أصبحوا عاجزين عن القتال بسبب إصابات بجروح. وبالتالي، فإن حرمان أي شخص في هذه الحالة من العلاج لا يمكن تبريره قانونيًا تحت أي ذريعة كانت سوى تتعلق بالانتماء أو العداء وانما تعتبر خرق صارم لقانون الدولي الإنساني و القانون حقوق الانسان.
متى يتحول الحرمان من العلاج إلى ج#ريم*ة حرب؟
فالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية من المادة 8 يجرّم الأفعال التي تنطوي على معاملة قاسية أو لا إنسانية، أو التصرفات و اعمال التي تتسبب عمدًا في معاناة شديدة. وقد أكدت المحاكم الدولية في أكثر من مناسبة أن الامتناع عن تقديم الرعاية الطبية، إذا أدى إلى معاناة أو وفاة، يمكن أن يُعدّ ج#ريم*ة حرب. بعبارة أخرى، ليس فقط الفعل المباشر هو ما يُجرَّم، بل حتى الامتناع عن الفعل (الإهمال المتعمد) قد يكون كافيًا لقيام المسؤولية الجنائية الدولية، خاصة إذا كان قائمًا على التمييز أو الاستهداف بسبب الانتماءات و الهوية.
القانون الدولي لحقوق الإنسان: حماية مستمرة حتى في زمن الحرب
قد يُعتقد في كثير من الأحيان أن حقوق الإنسان تتراجع في زمن النزاعات المسلحة، إلا أن القانون الدولي يؤكد العكس. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للأمم المتحدة يكرّس الحق في الحياة ويحظر المعاملة اللاإنسانية، وهما من الحقوق التي لا يجوز المساس بجوهرها مهما كانت الأسباب او تحت أي ظرف. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية ابداء رأى حول قانونية استخدام السلاح النووي اكد فيها المحكمة أن هذه الحقوق تظل سارية حتى أثناء النزاعات المسلحة، ويتم تفسيرها في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني. كما دعمت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هذا الاتجاه، معتبرة أن إخفاق الدول في توفير الرعاية الطبية في ظروف معينة قد يشكل انتهاكًا للحق في الحياة، بل وقد يرقى إلى معاملة لا إنسانية.
مثال حيوي: قضية غزال مولاي بين الادعاء والمسؤولية القانونية
في سياق التطورات الأخيرة، تشير تقارير إلى وفاة إحدى الجرحى من مقاتلي معارضي الكردستاني لنظام إيران داخل أحد المرافق الطبية في إقليم كردستان العراق، و وذلك على خلفية مزاعم و تقارير غير مؤكدة برفض الكادر الطبي تقديم الرعاية اللازمة لجريحة ووفقًا لهذه التقارير، يُعتقد أن الضحية تُدعى غزال مولاي، وهي مقاتلة كوردية أُصيبت نتيجة قصف بطائرة مسيّرة إيرانية داخل أراضي الإقليم، قبل أن تُفارق الحياة لاحقًا.
وفي حال ثبوت هذه الوقائع و الادعاءات، فإن الامتناع عن تقديم الرعاية الطبية لشخص جريح خصوصًا إذا كانت الجريح خارج القتال كحالة غزال مولاي قد يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني والقانون حقوق الانسان، وقد يرقى إلى ج#ريم*ة حرب إذا كان متعمدًا أو قائمًا على التمييز. كما يترتب على ذلك التزامات قانونية و على السلطات المختصة في الإقليم كردستان العراق بفتح تحقيق مستقل وشفاف، و في حال ثبوت صحة الانتهاك يجب محاسبة المسؤولين ومحاكمتهم.
الخاتمة: مبدأ لا يسقط
متى يصبح الحرمان ج#ريم*ة؟
ليس كل تأخير في تقديم العلاج يُعد ج#ريم*ة، لكن الخط الفاصل واضح وصريح بعدة نقاط: أولا عندما يكون الحرمان متعمدًا, ثانيا عندما يكون قائمًا على التمييز, ثالثا عندما تتوفر إمكانية تقديم العلاج وأخيرا عندما يؤدي إلى ضرر جسيم أو وفاة الجريح او المريض.
في هذه الحالة، يتحول الفعل من مجرد إخفاق بسيط بل تتحول إلى انتهاك جسيم وج#ريم*ة حرب أما في حالات نقص الموارد أو المخاطر الأمنية، فقد يكون التأخير مبررًا في حدود الضرورة، لكن التمييز يظل محظورًا بشكل مطلق.
إن حرمان الجرحى من الرعاية الطبية لا يمكن اعتباره مجرد تقصير أو خطأ عابر، بل قد يشكل خرقًا خطيرًا للقانون الدولي، خاصة عندما يكون متعمدًا أو تمييزيًا, وفي نهاية المطاف، تظل القاعدة الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني و القانون حقوق الانسان واضحة وثابتة فأن الكرامة الإنسانية لا تسقط في زمن الحرب، مهما كانت الظروف أو المبررات.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.