ما وراء العنوان..
رملة عبد المنعم البياتي
خطر الاكتفاء بالعناوين في فهم الكتب والبشر والأحداث والعالم كله
في إحدى الأمسيات.. وبينما كنت أتنقل بين حلقات البودكاست بحثًا عن شيء يرافق هدوء المساء..استوقفتني شخصية بدت لي من الوهلة الأولى شديدة الارتباط بعالم الرياضة.
كان حديثه ومظهره وحتى الطريقة التي قُدِّم بها..يوحيان بأنه شخص كرّس حياته لهذا المجال ولم يغادر حدوده.
اعترف أنني كوّنت عنه صورة سريعة. صورة لم تستغرق سوى لحظات..لكنها بدت في تلك اللحظة كافية.
إلا أنني كلما واصلت الاستماع..بدأت تلك الصورة تتصدع بهدوء. اكتشفت أن الرجل ليس رياضيًا فحسب..بل طبيب في الطب البشري..وصاحب تجربة علمية ومهنية وإنسانية ثرية.
كان يتحدث عن النجاح بلغة من عاشه..وعن المسؤولية بوعي من حملها..وعن الإنسان بمعرفة من اقترب من آلامه وأحلامه.
حين انتهت الحلقة..لم يبقَ في ذهني مضمون قصته فحسب…بل بقي سؤال أكثر إلحاحًا: كم مرة نظن أننا عرفنا الأشخاص من النظرة الأولى؟ وكم مرة نكتفي بعنوان صغير بينما تختبئ خلفه فصول كاملة لم نمنح أنفسنا فرصة لقراءتها؟
منذ تلك اللحظة..عادت إلى ذهني مقولة طالما رددها الناس: “الكتاب يُعرف من عنوانه”.…
لكنني كثيرًا ما أتساءل: لو كان الأمر كذلك حقًا..فلماذا نقرأ؟
فالعنوان ليس إلا عتبة صغيرة تقف عندها العين قبل أن تبدأ الرحلة.
إنه ومضة أولى..إشارة عابرة..دعوة إلى الدخول ..لكنه لا يستطيع أن يحمل بين كلماته كل ما يختبئ في الداخل من أفكار ومشاعر وأسئلة.
وكما لا يمكن لقطرة ماء أن تختصر البحر..لا يمكن لعنوان أن يختصر عالمًا كاملًا من المعاني.
وربما لهذا السبب لم أستطع يومًا التسليم بهذه المقولة.
ليس لأنها خاطئة تمامًا..بل لأنها تمنح الانطباع الأول سلطة أكبر مما يستحق.
فهي تغرينا بأن نحكم قبل أن نفهم وأن نكتفي بالسطح قبل أن نغوص في العمق.
والحقيقة أن الإنسان بطبعه المكتسب مولع بالعناوين.
يحب الأشياء السريعة والواضحة والمختصرة.
يبحث عن جملة واحدة تمنحه شعورًا بأنه فهم كل شيء.
لكن الحياة لم تُخلق بهذه البساطة ..ولا البشر..ولا الحقائق.
فكم من كتاب مررنا به دون اكتراث لأن عنوانه بدا عاديًا ثم اكتشفنا لاحقًا أنه كان يخبئ بين صفحاته ما يستحق العمر كله. وكم من عنوان متألق جذب الأنظار من اللحظة الأولى..لكنه لم يكن سوى زينة لغوية تخفي خواءً لا يلبث أن ينكشف.
ولأننا اعتدنا قراءة الكتب بهذه الطريقة…بدأنا نقرأ البشر أيضًا بالطريقة نفسها.
أصبحنا نمنح الأشخاص عناوين مختصرة..هذا ناجح وهذا فاشل
هذا طيب وهذا سيئ.
نحاصر الأرواح في كلمات قليلة ونظن أننا عرفناها. بينما الإنسان في حقيقته كتاب عميق ..تتغير فصوله وتتبدل معانيه وتكشف الأيام من صفحاته ما لم يكن ظاهرًا في البداية.
والأمر هذا يمتد إلى العالم من حولنا..
فكم من حدثٍ نقرأه من عنوان عريض…وما اكثرها في هذّه الأيام …ثم نعتقد أننا أدركنا أبعاده كلها.
وكم من قصة إنسانية تُختزل في سطرٍ عاجل…بينما وراء ذلك السطر أعوام من الانتظار والخوف والفقدان والصبر.
لقد أصبح عصرنا عصر العناوين الكبرى. عناوين تتصدر الصفحات والشاشات
تتزاحم على جذب الانتباه، وتتنافس في صناعة الانطباع الأول.
غير أن الحقيقة في كثير من الأحيان لا تسكن العنوان.
إنها تقيم بعيدًا عنه ..في التفاصيل المنسية وفي الأصوات التي لا تصل إلى المنابر..وفي الحكايات الصغيرة التي لا تجد مكانًا لها في صدر الصفحة.
فما أسهل أن نقرأ اسم مدينة في خبر عابر وما أصعب أن نرى الوجوه التي تعيش داخل ذلك الاسم.
وما أسهل أن نتابع أرقامًا وإحصاءات..وما أصعب أن نتخيل القلوب التي تقف خلفها. فالعالم لا يتألف من العناوين…بل من البشر الذين تختبئ حياتهم بين السطور.
وربما لأنني امرأة تميل بفطرتها إلى الإصغاء للتفاصيل…فإنني أدرك أن الحقيقة لا تعيش دائمًا في أكثر الأصوات ارتفاعًا.
هناك أشياء كثيرة لا تصرخ..لكنها موجودة. وهناك آلام لا تظهر في الصور..لكنها تنبض في صدور أصحابها.
وهناك قصص لا يرويها أحد..ومع ذلك تستحق أن تُسمع.
لقد علمتني الحياة أن أتريث أمام العنوان
وألا أمنحه أكثر مما يحتمل.
فالعنوان قد يلفت النظر..لكنه لا يمنح المعرفة.
والانطباع الأول قد يفتح الباب..لكنه لا يكشف الغرف كلها.
أما الفهم الحقيقي فيحتاج إلى وقت..وإلى فضول..وإلى شيء من التواضع أمام اتساع الحقيقة.
لذلك لا أؤمن بأن الكتاب يُعرف من عنوانه…بل أؤمن أن العنوان مجرد بداية.
أما الحكاية الحقيقية فتبدأ بعده. تبدأ عندما نقرأ ..وننصت..ونقترب..ونمنح الأشياء فرصة أن تكشف عن نفسها بعيدًا عن الأحكام المتعجلة.
وربما لهذا السبب تضيع منا أحيانًا أجمل الكتب..وأصدق البشر..وأعمق الحقائق.
لأننا توقفنا طويلًا عند العنوان..ولم نكمل القراءة.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.