قراءة في رحلة البحث عن الحقيقة
بقلم بشار مرشد
مقدمة: الإنسان ككائن يسأل
البحث عن الحقيقة يبدأ من دهشة الإنسان أمام الوجود. السؤال الأول، “لماذا هناك شيء بدلًا من لا شيء؟”، هو الذي أطلق عجلة الفضول والعقل النقدي. كل حضارة وكل علم وفلسفة هي محاولة لفهم ما هو حقيقي، لا مجرد تصديق ما يُقال.
من الأسطورة إلى الفلسفة:
في البداية، كانت الحقيقة تُروى عبر الأساطير، لتوفر تفسيرًا مطمئنًا للظواهر. لكنها أغلقت باب التساؤل. مع الفلاسفة، من طاليس إلى سقراط، أصبح السؤال أداة، والحقيقة لم تعد تُروى بل تُكتشف. هنا وُلدت أدوات التحقيق العقلي: الشك، الجدال، الملاحظة.
التحوّل العلمي: من الفكرة إلى التجربة:
غاليليو ونيوتن مثّلوا نقطة تحوّل، حيث أصبح التحقيق يعتمد على التجربة وليس على السلطة أو التقليد. وُلدت العلوم الطبيعية، وصار الهدف معرفة العالم كما هو، والاعتماد على الأدلة لا على الاعتقاد.
اتساع دائرة التحقيق:
مع تطور المعرفة، توسّع التحقيق ليشمل مجالات متعددة:
الاقتصاد والاجتماع: فهم حركة الثروة وبنية العلاقات.
النفس البشرية: دراسة الدوافع والانفعالات والوعي:
القانون والجنائيات: تمييز الخطأ والنية وتحليل الأفعال.
كل هذه الميادين تشترك في منهجية واحدة: الشك المنهجي، جمع الأدلة، التحليل، الاستنتاج.
النقد المعرفي: حدود المعرفة
في القرن العشرين، تحول السؤال من “ما الحقيقة؟” إلى “هل يمكن معرفة الحقيقة؟”. هذه المرحلة الإبستمولوجية (نظرية المعرفة) لم تقلل من قيمة البحث، بل فرضت تواضعًا أمام اتساع المجهول، وحثت الباحث على التمييز بين ما يُعرف وما يبقى افتراضًا.
التحقيق الأخلاقي والجمالي:
البحث عن الحقيقة لا يقتصر على الوقائع، بل يشمل القيم والجمال. الفن والأدب يمثلان طرقًا لإدراك الحقائق غير العقلانية، بينما التحقيق الأخلاقي يسائل الصواب والخطأ في أفعال الإنسان.
التحقيق الداخلي: الحقيقة في الذات:
لا يمكن فصل الحقيقة الخارجية عن الحقيقة الداخلية. التحقيق النفسي والروحي يعيد الباحث إلى ذاته، ليعرف دوافعه وأهدافه. فالبحث عن الحقيقة في الخارج بلا وعي داخلي يظل ناقصًا.
المنهجية المشتركة لكل العلوم:
رغم اختلاف الأدوات والأساليب بين المجالات، هناك عامل مشترك: منهجية البحث التي تشمل:
1. الهدف: الوصول إلى الحقيقة.
2. الأدوات: الوسائل المناسبة لكل مجال.
3. الأسلوب: الطريقة المنهجية لتطبيق الأدوات.
4. المعلومات: المادة الخام للتحليل.
5. المجال/النوع: الطبيعة، الإنسان، المجتمع، الفن، القانون، وغيرها.
هذه السلسلة من العناصر تُشكل إجراءات البحث عن الحقيقة، حيث تتبع خطوات متتابعة: السؤال → جمع المعلومات → التحليل → الاختبار → الاستنتاج → المراجعة، وصولًا إلى الحقيقة الأقرب إلى الواقع.
التحقيق الواقعي والحساس:
أدق أنواع التحقيق هو ذلك المرتبط بالبحث عن حقيقة حدث محدد: ما، كيف، متى، أين، لماذا، ومن الفاعل أو المسبب.
هذا النوع من التحقيق يطبّق المنهج النقدي بدقة على وقائع محددة، ويجمع الأدوات والأساليب والمعلومات لتحقيق موضوعية قصوى، سواء كان الحدث جنائيًا، تاريخيًا، علميًا أو نفسيًا.
الخاتمة:
الحقيقة ليست نقطة وصول، بل رحلة مستمرة. كل اكتشاف يفتح سؤالًا جديدًا، وكل إجابة صادقة تكشف جهلًا أعمق. رحلة البحث عن الحقيقة هي تدريب للعقل، تطهير للنفس، وممارسة دائمة للتواضع أمام اتساع المجهول.