قراءةٌ مختصرةٌ في الأفقِ السياسيِّ العراقيِّ
الدكتور رعد البيدر – الشارقة
الأفُقُ السياسيُّ العراقيُّ بعدَ إعلانِ نتائجِ الانتخاباتِ لا يزالُ مُغَطًّى بضبابيَّةِ “المسارِ المعتادِ”، إذْ تحوَّلَ الاقتراعُ إلى خطوةٍ أولى نحو طاولاتِ المفاوضاتِ بينَ المُكَوِّنِ الواحدِ، وفيما بينَ المُكَوِّناتِ. وبرغمِ وضوحِ النتائجِ التي أفرزتْ فائزينَ بتَبايُنٍ عدديٍّ، فإنَّ التفاصيلَ غيرَ المنظورةِ في الاتفاقياتِ الجاريةِ والتي ستُعقَدُ خلفَ الكواليسِ ستَرْسِمُ معالمَ حكومةٍ قادمةٍ بعدَ ولادةٍ عسيرةٍ.
النقطةُ المحوريةُ تبدأُ في المُكَوِّنِ الشيعيِّ الذي حَسَمَ مُبَكِّرًا أمرَ تشكيلِ “الكتلةِ النيابيةِ الأكبرِ” لتأمينِ منصبِ رئيسِ الوزراءِ. التجديدُ لمحمدِ شياعِ السُّودانيِّ يبدو السيناريو الأرجحَ، لكنَّ سعرَ التجديدِ باهظٌ؛ فالقوى الحليفةُ ستُطالِبُ بحِصَصٍ ضخمةٍ في مناصبِ الوزاراتِ لتعويضِ أيِّ نقصٍ عدديٍّ، وهذا التفاوضُ على الحقائبِ هو ما قدْ يُطِيلُ أَمَدَ الإعلانِ الوزاريِّ.
وفي الجانبِ الآخرِ، تدورُ معركةُ التوحيدِ والزعامةِ داخلَ المُكَوِّنِ السُّنِّيِّ، الذي يسعى لجمعِ صفوفِهِ في تحالفٍ مُتَماسِكٍ لِحَسْمِ منصبِ رئيسِ مجلسِ النوابِ لِمُرَشَّحٍ واحدٍ. معركةُ الرئاسةِ هي في جوهرِها صراعٌ على زعامةِ المُكَوِّنِ، وسيتعيَّنُ على المُرَشَّحِ الفائزِ تقديمُ تنازلاتٍ للكتلةِ الشيعيةِ الكُبرى تتعلَّقُ بآليةِ عملِ البرلمانِ، بما لا يَتَقاطَعُ مع الطموحاتِ الشيعيةِ.
أمَّا العُقدةُ الدستوريةُ الأصعبُ فتبقى في المُكَوِّنِ الكرديِّ حولَ منصبِ رئيسِ الجمهوريةِ الذي يتطلَّبُ نِصابَ الثلثينِ (220 نائبًا) لانتخابِهِ. الخلافُ الحاليُّ بينَ الديمقراطيِّ والاتحادِ الوطنيِّ قدْ يدفعُ أحدَهُما لتشكيلِ “الثلثِ المُعَطِّلِ” لِمَنْعِ اكتمالِ النِّصابِ. عندها يظهرُ مفهومُ “السعرِ الباهظِ”. المُصطلحُ يُشيرُ إلى أنَّ الفوزَ بمنصبِ الرئيسِ هو نتيجةٌ لصفقةٍ لا مركزيةٍ أعمقَ، يتمُّ فيها دفعُ “ثَمَنِ” التنازلِ عن حقِّ التعطيلِ. الثمنُ يتجسَّدُ في شكلِ تنازلاتٍ استراتيجيةٍ ضخمةٍ يُقدِّمُها الطرفُ الفائزُ للطرفِ الخاسرِ، تشملُ امتيازاتٍ اقتصاديةٍ وإداريةٍ غيرِ مُعْلَنةٍ، كالسيطرةِ على حقولٍ نفطيةٍ أو ضمانِ حِصَصٍ رئيسيةٍ في المناصبِ الإداريةِ. الجمودُ الكرديُّ هو القادرُ على شَلِّ العمليةِ السياسيةِ.
بِمُنتهَى الاختصارِ، الأفُقُ القريبُ ليسَ أُفُقًا للحَسْمِ، بلْ هو أُفُقٌ للمساومةِ المُكثَّفةِ. التوقُّعُ المَنطقيُّ أنَّنا أمامَ حكومةِ شراكةٍ واسعةٍ وضروريةٍ ستتشكَّلُ بعدَ مَخاضٍ عسيرٍ، لكنْ لنْ يتمَّ ذلكَ إلَّا بعدَ استنزافِ وقتٍ طويلٍ لحلِّ تحدِّياتِ التوازناتِ داخلَ كلِّ مُكَوِّنٍ وتجاوزِ عُقبةِ النِّصابِ الدستوريِّ.
ومعَ انتهاءِ لعبةِ التشكيلِ والتعطيلِ، ودخولِ الحكومةِ الجديدةِ مرحلةَ التنفيذِ، ستواجهُ مُباشرةً تحدِّياتِ المرحلةِ الأصعبِ. فالصفقةُ السياسيةُ التي سَمَحَتْ بتشكيلِها، ستكونُ مصدرَ ضعفِها؛ إذْ ستكونُ الحكومةُ القادمةُ مَحكومةً بِمَبدأِ “ترضيةِ الشركاءِ” الذي يَغُلُّ يدَها عن اتخاذِ قراراتٍ إصلاحيةٍ جذريةٍ. التحدِّي الأولُ هو الاقتصاديُّ، مُتَمَثِّلًا في إيجادِ بدائلَ للريادةِ النفطيةِ، والتعاملِ مع ضغطِ الرواتبِ الهائلِ. أمَّا التحدِّي الثاني فهو الخدميُّ، حيثُ يبقى مَلفُّ الكهرباءِ والماءِ والبنيةِ التحتيةِ هو الفيصلَ بينَ القبولِ الشعبيِّ والاحتجاجِ. والأخطرُ هو التحدِّي الأمنيُّ والسياديُّ، في ظلِّ استمرارِ وجودِ جماعاتٍ مُسلَّحةٍ غيرِ مُنضَبِطةٍ كُلِّيًّا، والحاجةِ المُلِحَّةِ لتطبيقِ السيطرةِ الكاملةِ للدولةِ على الحدودِ والمَعابرِ، وهو ما يُمثِّلُ على الدوامِ، اختبارًا حقيقيًّا لِمَدَى التزامِ الكُتلِ السياسيةِ بتَعَهُداتِها بالعملِ كفريقٍ وطنيٍّ مُوَحَّدٍ … هكذا نَقرأُها بدونِ نَظّاراتٍ طبيةٍ.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.