على حافة الزلزال الكبير: هل نحن أمام لحظة كسر النظام
يبدو أننا، أيها السادة الأفاضل، نقف على تخوم لحظة تاريخية فاصلة في الشرق الأوسط، لحظة لا تشبه ما سبقها إلا في ندرتها وخطورتها. فالمشهد الذي يتشكل في السماء – قبل الأرض – لا يمكن اختزاله في توصيفات عسكرية روتينية، ولا في بيانات مطمئنة صادرة عن وزارات الدفاع. نحن أمام تحركات ثقيلة الوزن، بطيئة الإيقاع، لكنها حاسمة الدلالة.
خلال الساعات والأيام الأخيرة، أظهرت منصات تتبع الطيران المفتوحة المصدر (OSINT) نشاطًا أمريكيًا غير مسبوق: أسراب من طائرات النقل الاستراتيجي، وعشرات من طائرات التزود بالوقود، ومقاتلات متعددة الأدوار تتجه بثبات من الولايات المتحدة وأوروبا نحو مسرح عمليات واحد: الشرق الأوسط، وتحديدًا نطاق عمل القيادة المركزية الأمريكية القيادة المركزية الأمريكية.
ما الذي نراه فعلًا في السماء؟
ما يجري ليس استعراض قوة عابرًا. أكثر من ثلاثين طائرة C-17 Globemaster III – العمود الفقري لأي حرب واسعة النطاق – تعني نقل قوات، معدات، ذخائر، وبنية قيادة كاملة. أما الانتشار الكثيف لطائرات KC-135 وKC-46، فهو مؤشر لا يخطئ: استعداد لعمليات جوية طويلة المدى، هجومية في جوهرها، حتى وإن غُلّفت بخطاب “الدفاع”.
وإلى جانب ذلك، فإن الحديث عن وصول مقاتلات F-15 وF-16، واحتمال نشر F-22 وF-35 الشبحية، يفتح الباب أمام سيناريو السيطرة الجوية الكاملة، وهو الشرط الأول لأي ضربة استراتيجية تستهدف بنية دولة لا مجرد ميليشيا.
إيران في قلب العاصفة
لا يحدث هذا كله في الفراغ. إيران اليوم ليست إيران الأمس. الداخل يغلي، والشارع لم يعد يخاف كما كان. تقارير تتحدث عن عشرات بؤر الاحتجاج، عن إضرابات، عن شرخٍ واضح بين المجتمع والنظام الثيوقراطي. في مثل هذه اللحظات، تلجأ الأنظمة العقائدية إلى خيارين: القمع الأقصى في الداخل، أو تصدير الأزمة إلى الخارج. وغالبًا، تختار الاثنين معًا.
في هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تجاوزت اللغة الدبلوماسية المعتادة، وصولًا إلى دعوات صريحة لإخلاء طهران، والتأكيد مجددًا على أن إيران “لن تمتلك سلاحًا نوويًا”. هذه ليست جملًا للاستهلاك الإعلامي، بل رسائل محسوبة تُقال عندما تكون الخيارات على الطاولة، لا في الأدراج.
البحر يدخل المعادلة
إضافة إلى السماء، هناك البحر. توجيه حاملة الطائرات نيميتز إلى نطاق القيادة المركزية ليس تفصيلًا. الحاملات لا تُحرّك لطمأنة الحلفاء فقط، بل لتكون منصة حرب مكتملة: طائرات، صواريخ، قيادة، وردع. وجودها يعني أن كل السيناريوهات – من الضربة المحدودة إلى المواجهة الواسعة – قيد الجاهزية.
دفاع… أم ما قبل الهجوم؟
البنتاغون يصف ما يجري بأنه “تعزيز للمنظومة الدفاعية”. لكن التاريخ العسكري يُعلّمنا أن الدفاع الحقيقي لا يحتاج هذا الكم من طائرات التزود بالوقود ولا هذا الزخم اللوجستي. المحللون يقارنون هذا الانتشار بما سبق ضربات يونيو 2025، لكن مع فارق جوهري: الحجم الحالي أكبر، وأوضح، وأقل قابلية للتأويل.
نحن أمام مرحلة ما قبل القرار. مرحلة شدّ الأعصاب، واختبار ردود الفعل، وتهيئة المسرح. قد يكون الهدف ردع إيران عن خطوة متهورة، وقد يكون تمهيدًا لضربة تُعيد رسم توازنات المنطقة، وربما تُسرّع في تفكك نظام أنهكته العقوبات والاحتجاجات وفقدان الشرعية.
الخلاصة ليست خلاصة لكنها بداية لحروب وفوضى
ما نراه الآن أكثر بكثير من “مناورة روتينية”. إنه ثقل الإمبراطورية حين يهبط ببطء، لكنه يهبط. السؤال لم يعد: هل هناك تصعيد؟ بل: أي شكل سيتخذه، ومتى؟ والأهم: هل سيكون هذا التصعيد بداية نهاية النظام الثيوقراطي الإيراني، أم مجرد فصل جديد في صراع طويل لم يُحسم بعد؟
في كل الأحوال، المنطقة على أعتاب أيام لا تشبه ما قبلها. والسماء – كما يبدو – هي أول من أعلن ذلك
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.