مقالات

الفصيلة – جعفر حيدر

تُعدّ “الفصلية” واحدة من أكثر العادات العشائرية إثارة للجدل في التاريخ الاجتماعي العراقي، وهي ممارسة تقوم على منح امرأة من عشيرة المعتدي إلى عشيرة المعتدى عليه كنوع من التعويض البشري عن الدم أو الأذى أو الق*ت*ل الذي حصل، وقد ظهرت هذه الظاهرة في سياقات اجتماعية قديمة كانت تعتمد فيها القبائل على مبدأ الردع والتوازن بين القوى، حيث كانت المرأة تُقدَّم بوصفها ضمانة لوقف الثأر، أو وسيلة لربط العشيرتين بعلاقة مصاهرة تضمن عدم تجدد النزاع، إلا أن هذه الممارسة، رغم جذورها التاريخية، تحمل أبعادًا معقدة تكشف طبيعة المجتمع القبلي الذي يضع قيمة العشيرة فوق قيمة الفرد، ويعتبر المرأة جزءًا من منظومة الشرف والدم، وليس ككيان مستقل له إرادته وحقوقه، ولذلك كانت الفصلية تُفرض على المرأة قسرًا باعتبارها “ثمنًا” لدمٍ أُريق أو لضرر وقع، فيتحول جسدها وحياتها ومستقبلها إلى وسيلة لتعويض خطأ لم ترتكبه، وهذا ما يجعل الفصلية من أكثر الممارسات التي تضع المرأة في موقع الظلم الاجتماعي الصارخ، حيث تعيش حياتها في بيت العشيرة الأخرى تحت ضغط نفسي واجتماعي كبير، وغالبًا تُعامل بريبة أو تحفظ لأن وجودها ليس قائمًا على رغبة الزواج وإنما على حكم عشائري يراد منه إنهاء الخصومة، ومع ذلك فقد استمرت هذه الظاهرة في بعض مناطق العراق بسبب القوة الكبيرة للأعراف القبلية، وضعف الدولة، ووجود قناعة لدى بعض الشيوخ بأن الفصلية تمنع سفك الدماء وتحمي المجتمع من سلسلة طويلة من الثأر، لكن هذا التبرير رغم وجاهته من زاوية الأمن الاجتماعي، يبقى غير إنساني لأنه يجعل المرأة وسيلة لحل النزاعات بدل أن تكون شخصًا له حقوقه الكاملة، كما أن الفصلية تكشف جانبًا ثقيلًا من الذهنية الذكورية التي تربط الشرف بالمرأة، وتعتبرها جزءًا من “ملكية” العشيرة، مما يجعل مصيرها مرتبطًا بمكانتها داخل السلالة لا بكرامتها كإنسانة، وقد حاولت الدولة العراقية في مراحل مختلفة منع هذه الظاهرة وتجريمها، خاصة بعد تطور القوانين المدنية وانتشار مفاهيم حقوق الإنسان، لكن بعض المناطق الريفية أو العشائر ذات النفوذ بقيت تمارسها بشكل غير علني بسبب إيمانها بأن القانون الرسمي عاجز أحيانًا عن حل النزاعات بالسرعة التي يوفرها العرف القبلي، ومن هنا تظهر الإشكالية الكبرى بين القانون والعرف؛ فالعرف يرى أن الفصلية تحل المشكلة فورًا وتُنهي الدم، بينما القانون يعتبرها انتهاكًا لكرامة المرأة وإلغاءً لحريتها، ومع تطور الوعي الاجتماعي وانفتاح الجيل الجديد بدأت الأصوات ترتفع ضد هذه الظاهرة التي تُعدّ شكلاً من أشكال الاتجار بالبشر، وبدأت كثير من العشائر تتخلى عنها تدريجيًا وتحاول استبدالها بتعويضات مالية أو صلح عشائري مكتوب دون المساس بحياة النساء، ومع ذلك فإن التخلص الكامل من الفصلية يحتاج إلى وجود دولة قوية، وقضاء فعّال، وتعليم متقدم، ووعي جماعي يحترم كرامة المرأة ويجعل حل النزاعات قائمًا على العدالة وليس على تقديم الضحية البريئة، وهكذا يمكن القول إن الفصلية ليست مجرد عرف عشائري بسيط، بل هي مرآة تكشف حالة الصراع بين الحداثة والتقليد، وبين عقلية الماضي وقيم الحاضر، وهي واحدة من القضايا التي ستستمر بالظهور كنقطة خلافية في المجتمع العراقي حتى يترسخ مفهوم أن المرأة ليست ثمنًا للدم ولا أداة لترميم العلاقات بين العشائر، بل هي إنسانة يجب أن تُعامل كعضو مستقل لا يتحمل وزر أخطاء غيره مهما كانت الظروف.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى