مقالات

شرط الخبرة السياسية في المرشح لمنصب رئيس الجمهورية – إياس

لمنصب رئيس الجمهورية أهمية كبيرة في النظام الدستوري العراقي؛ فهو، على عكس الشائع، ليس منصباً تشريفياً أو بروتوكولياً.
والدليل على ذلك أنه يعد حامي الدستور الذي منحه صلاحيات منفردة، تتضمن تقديم مشروعات القوانين، وطلب التصويت على الثقة لرئيس مجلس الوزراء من مجلس النواب.
كما منحه الدستور صلاحيات مشتركة مع مجلس الوزراء، مثل اقتراح تعديل الدستور، وطلب حل مجلس النواب، وطلب إعلان الحرب أو حالة الطوارئ.
والدليل على أهمية هذا المنصب هو أن الدستور أخضعه لرقابة مجلس النواب، بموجب آليات خاصة، تشمل إمكانية مساءلته، وإعفائه بعد إدانته من قبل المحكمة الاتحادية العليا.
بناءً على ما سبق، نجد أن الدستور قد أحاط عملية الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية بمجموعة من الشروط الصارمة، التي قد تُعد أكثر تشدداً في بعض جوانبها مقارنة بالشروط المقررة لنفس المنصب في دول مجاورة، مما يعكس الحرص على ضمان اختيار مرشح مؤهل بكفاءة وخبرة عالية.
ومن بين هذه الشروط، اشتراط امتلاك المرشح لهذا المنصب خبرة سياسية. غير أن الدستور لم يحدد مفهوم هذه الخبرة، أو مقتضياتها، أو المعايير التي يترتب عليها تحديد من يتمتع بها ومن لا يتمتع.
وقد أدى هذا الغموض إلى جدل فقهي مستمر حول طبيعة الخبرة السياسية الواجب توفرها لدى المرشح لمنصب رئيس الجمهورية، وما إذا كانت تقتصر على ممارسة فعلية داخل مؤسسات الدولة، أو تشمل أشكالًا أخرى من العمل السياسي، سواء الحزبي أو الأكاديمي أو المجتمعي.
وقد لفت انتباهي هذا الشرط بشكل خاص، لا سيما بعد إعلان عدد من الشخصيات الإعلامية والمجتمعية رغبتها في الترشيح لهذا المنصب.
ويثير هذا الأمر تساؤلات جوهرية حول طبيعة الخبرة المطلوبة: هل تقتصر على المعرفة النظرية بالعمل السياسي من خلال الاطلاع والمتابعة، أم أنها تتطلب ممارسة فعلية في العمل السياسي؟ وهل يشترط أن يكون لدى المرشح خبرة في المواقع الرسمية للدولة، أم تكفي الخبرة في نطاق العمل الحزبي، أو الأكاديمي، أو عبر المشاركة في الفعاليات المجتمعية والسياسية؟.
ويرى بعض المراقبين أن هذا الشرط يعني ضمنياً ضرورة اكتساب الخبرة من خلال العمل في مواقع سياسية داخل الدولة، باعتبار أن الخبرة لا تُكتسب إلا بالممارسة العملية.
إلا أن هذا التفسير يثير سؤالًا جوهرياً: هل يعني ذلك أن من شغل مقعداً نيابياً أو منصباً وزارياً فقط هو المؤهل، في حين أن الأستاذ الجامعي في كليات العلوم السياسية لا يُعتبر مستوفياً لهذا الشرط؟
إذ أن هذا المعيار قد يضيق بشكل كبير نطاق الترشيح، ويحول دون وصول عدد من أصحاب الكفاءات المؤهلة، إذ يقصر إمكانية الترشح على من حظي بفرصة تبوء مناصب سياسية داخل مؤسسات الدولة، متجاهلاً الخبرات العملية والسياسية التي قد يكتسبها الأفراد في مجالات أخرى كالحياة الحزبية أو الأكاديمية أو النشاط المجتمعي.
في المقابل، يرى اتجاه آخر أن هذا الشرط يشمل خبرة القيادة في الحزب السياسي، أو الكتلة النيابية، أو القائمة الانتخابية الفائزة.
ونحن نرى أن تطبيق هذا الشرط بشكل صحيح يضمن استبعاد أي مرشح لم تُثبت له تجربة فعلية وحقيقية في العمل السياسي، ويحول دون قبول من يرشح نفسه بناءً على رغبة شخصية، أو تطلعات وطنية مجردة، أو حب للشهرة، دون امتلاك الكفاءة والخبرة المطلوبة.
وقد اطلعت في بعض المؤلفات على آراء ترى ضرورة إلغاء شرط الخبرة السياسية عند أي تعديل دستوري، بحجة أنه من غير الواقعي أو المنطقي ترشيح شخص لا يمتلك خبرة سياسية أو حزبية عميقة، أو لم يسبق له الانخراط الفعلي في العمل السياسي.
وطالما أن هذا الشرط قائم، فإنه يُطبق لتحديد مدى توفره لدى الراغبين في الترشح، وهي مسؤولية تقع على عاتق رئاسة مجلس النواب، إذ أن القانون أوكل إليها مهمة تدقيق الشروط وإعلان أسماء المستوفين لها. وبعد ذلك، تخضع هذه القرارات لمراجعة المحكمة الاتحادية العليا، بصفتها الجهة القضائية المختصة بالنظر في الاعتراضات على قرارات استبعاد المرشحين، بحسب القانون.
باحث دكتوراه في القانون العام

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى