نجم في العتمة: حين يُصاب العدل بالعمى – هيفين عمر
في البلاد التي يطول فيها الليل حتى يُشبه النهار، لا تُقاس العدالة بالقوانين، بل بمدى اقترابك من الظل الصحيح. هناك، تُوزن القيم بالنفوذ، وتُسكَت الأصوات بالنقود، ويُعاد تعريف الخطأ والصواب كل يوم حسب من يجلس على الكرسي.
الفساد لا يأتي كزلزال، بل كنسمة خفيفة في البداية، يتسلل إلى المفاصل قبل أن يصير جسدًا كاملاً يحكم نبض الدولة. يدخل في اللغة، في المعاملة، في الأوراق الرسمية، في الوجوه التي تبتسم وهي تفتح الأبواب إلى الهاوية. هو ليس رشوةً فقط، بل فكرة: أن كل شيء قابل للمساومة — حتى العدالة، حتى الكرامة، حتى الحق في أن تكون بريئًا.
ذات مساءٍ غامض، في زاوية نائية من هذا النظام المعتم، وُجد “نجم” لا كاسمٍ لإنسان، بل كرمزٍ لكل من لم يرضخ. لم يحمل سلاحًا، ولم يرفع صوته، بل اكتفى بأن يعمل بشرف. ومع ذلك، كان الضوء الذي بداخله كافيًا لفضح العتمة حوله، فحُوسب كما يُحاسب من أشعل شمعة في ممرٍ ممنوعٍ من النور.
في عالمٍ كهذا، تصبح الطاعة ملاذاً، والكرامة عبئاً، والعدل ترفاً نادراً لا يُمنح إلا لمن يعرف طريق الظلال. هناك، لم يكن السؤال عن الحق، بل عن “الترتيب”، ولم تكن الج#ريم*ة في الفعل، بل في عدم الخضوع الكافي. وفي لحظةٍ واحدة، صار العرق ج#ريم*ة، والكدّ تهمة، والسكوت نجاة.
وفي مكانٍ أعلى، جلس وجه العدالة بلا بصر. قاضٍ، أو رمز لما تبقّى من القانون، يزن بميزانٍ مائل ما لا يُوزَن. لم يسأل “لماذا يحدث هذا؟” بل “لماذا لم تكن تحمل الورقة المناسبة؟” هكذا، يُغلق الملفّ، ويُفتح الجدار. لا يُحاكم الفساد، بل يُبرَّر. لا يُدان الظلم، بل يُهذَّب لغوياً ليبدو قانوناً.
الفساد ليس فرداً، بل طيفٌ طويل يبدّل ملامحه في كل مؤسسة، في كل مكتب، في كل تبريرٍ صغير، في كل صمتٍ اختياري.
هو القاضي الذي يلتفت عن الحقيقة، وهو المأمور الذي يبيع ضميره بملف، وهو المواطن الذي يبرّر خوفه باسم “الواقعية”.
هكذا يشيخ الوطن، لا لأن الزمن يمضي، بل لأن العدالة تُستنزف ببطئ، وتُمحى تحت أنقاض الطاعة والسكوت.
لكن… في العتمة دوماً شيء لا يُخمد:
قبسٌ صغير في ضمير من يرفض، في قلمٍ يكتب، في صوتٍ يصرّ أن يسأل.
فالوطن لا يُبنى على الخضوع، ولا يُرمم بالسكوت، بل بالعدل أولًا.
وحين تُغلق الأبواب، ويُختنق الهواء بالفساد، لا يُنقذ البلاد سوى من يعيد فتح نافذة للضوء، ولو بشقّ قلمٍ واحد.
كل وطنٍ يملك نَجمه الخاص — ذاك الذي يضيء ولو من وراء القضبان،
يذكّر الناس أن العتمة مهما اشتدّت، لا تُطفئ جوهر النور في الإنسان.
ولعلّى التاريخ يشهد بأن الضوء لا يموت.
حين كان نيلسون مانديلا محبوساً في جزيرة روبن ثلاثين عاماً، لم يكن في السجن رجلٌ واحد، بل ضمير أمة بأكملها. من زنزانة ضيّقة، أعاد تعريف الحرية حين قال: “أن تكون حرّاً لا يعني مجرد كسر القيود، بل أن تعيش بطريقة تحترم حرية الآخرين وتعزّزها.”
خرج مانديلا من ظلام السجن لا ليطالب بالانتقام، بل ليذكّر العالم أن العدالة هي الطريق الوحيد لبناء وطن لا ينهار تحت ثقل الخوف.
فما أبسط الحقيقة، وما أعقدها في آن:
الوطن لا يقوم على القوة، ولا على الخوف، بل على ميزانٍ لا يُباع — ميزان العدل.
ومن يُطفئ هذا الميزان، يترك الوطن يتيه في الظلال إلى أن يولد من جديد،
في يد من يؤمن أن النور لا يُستأذن ليدخل.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.