الحوار الهاديء

البيروقراطية الأدارية

تُعدّ البيروقراطية واحدة من أكثر الظواهر الإدارية تعقيدًا وتأثيرًا في حياة الشعوب، فهي في أصلها نظام تنظيمي يقوم على التراتبية والانضباط وتوزيع المهام وفق قواعد محددة، وُضع لضمان سير العمل واستقرار مؤسسات الدولة، لكنها في الممارسة العملية، وخصوصًا في المجتمعات العربية، تحولت من وسيلة لتنظيم الإدارة إلى عقبة تعرقل الكفاءة والعدالة وتُثقِل كاهل المواطن بالروتين والانتظار. والبيروقراطية ليست بالضرورة سلبية، فهي إذا حُكمت بالقانون ورافقتها الشفافية والانفتاح، تصبح ضمانًا ضد الفوضى وضمانة لعدالة توزيع السلطة داخل الجهاز الإداري، أما إذا استبدت بنفسها وتحولت إلى شبكة مصالح مغلقة، فإنها تخلق نظامًا خانقًا يق*ت*ل الإبداع ويزرع الإحباط ويُرسّخ الفساد. في الدول المتقدمة كألمانيا والسويد واليابان، تعمل البيروقراطية بوصفها أداة فعالة لتنظيم العمل العام، فكل موظف يعرف بدقة ما له وما عليه، وكل معاملة تسير وفق جدول زمني محدد، مما يحقق الانضباط والسرعة والدقة في الأداء، أما في كثير من الدول العربية فقد تحولت البيروقراطية إلى نظام مترهل تحكمه الواسطة وتغيب عنه المحاسبة، حيث تتشابك الاختصاصات وتُكرّر الوظائف وتُستهلك الجهود في الإجراءات بدلاً من النتائج، فتتراجع الكفاءة وتتعطل الخدمات ويضعف ثقة المواطن في مؤسسات الدولة. إن إصلاح هذا الواقع لا يكون بمجرد تغيير القوانين أو إطلاق الشعارات، بل بإعادة بناء الثقافة الإدارية على أسس حديثة تجمع بين الكفاءة والأمانة، فالتوظيف يجب أن يكون على أساس الجدارة لا الولاء، والترقية على أساس الأداء لا العلاقات، والرقابة على أساس القانون لا المجاملة، والموظف العام يجب أن يُدرَّب على أن وظيفته ليست سلطة على الناس بل خدمة لهم، وأنه مسؤول أمام الله قبل أن يكون مسؤولاً أمام مديره. ومن أهم أدوات الإصلاح اليوم التحول الرقمي الذي قلّل في بعض الدول من الفساد والروتين، كما في التجربة السعودية من خلال منصة أبشر، والتجربة المغربية في دمج المؤسسات وتبسيط الإجراءات، وكذلك التجربة الإماراتية في تقييم الموظفين عبر مؤشرات الأداء لا الأقدمية، فهذه النماذج تؤكد أن الإصلاح ممكن متى ما توفرت الإرادة والنية الصادقة. كما أن اللامركزية الإدارية تعد خطوة جوهرية في تحرير القرار المحلي من سلطة المركز، مما يمنح البلديات والمحافظات مرونة في تقديم الخدمات ومتابعة شؤون الناس بسرعة وكفاءة، وهو ما بدأت بعض الدول العربية تطبيقه جزئيًا بنجاح. إن الإصلاح الإداري لا يكتمل من دون إصلاح أخلاقي وثقافي، فالقوانين مهما بلغت دقتها تظل عاجزة إن لم تحكمها الضمائر، إذ يقول الله تعالى في محكم كتابه: “إن خير من استأجرت القوي الأمين”، فالقوة هنا تعني الكفاءة، والأمانة تعني النزاهة، وهما ركيزتا الإدارة الرشيدة التي تبني الثقة بين المواطن والدولة. إن معركة إصلاح البيروقراطية هي في جوهرها معركة وعي وسلوك قبل أن تكون معركة أنظمة، تبدأ من إعادة تعريف الوظيفة العامة باعتبارها تكليفًا لا تشريفًا، وحقًّا للمجتمع لا غنيمة للأفراد، وتنتهي ببناء جهاز إداري حديث لا يخاف من الرقابة، ولا يحتكر القرار، ولا يستهلك الوقت في الختم والتوقيع، بل يعمل من أجل الناس وبأسمهم. تلك هي البيروقراطية التي نحتاجها: منضبطة في الشكل، إنسانية في المضمون، شفافة في القرار، وكفوءة في الأداء، لتكون أداة بناء لا وسيلة هدم، وجسرًا نحو دولة العدالة والفاعلية لا متاهة من الأوراق والأختام.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى