مقالات سياسية

بين شعار الثورة وواقع الخراب: قراءة في مسار الثورة الإسلامية الإيرانية

 نافع شابو
منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، رُفعت شعارات كبرى تتحدث عن نصرة المستضعفين ووحدة الأمة الإسلامية ومقاومة الهيمنة الغربية. بدت تلك الشعارات في ظاهرها دعوةً إلى نهضة إسلامية جامعة تتجاوز الانقسامات المذهبية والقومية. غير أن العقود التي تلت قيام تلك الثورة كشفت واقعاً مختلفاً، واقعاً تتداخل فيه السياسة بالعقيدة، وتُستخدم فيه الطائفية أداةً للنفوذ، وتُدفع فيه شعوب المنطقة أثماناً باهظة من أمنها واستقرارها واقتصادها.
لقد أعلنت القيادة الإيرانية منذ الأيام الأولى للثورة أن من أهدافها “تصدير الثورة” إلى العالم الإسلامي. لم يكن ذلك مجرد شعار دعائي، بل تحول مع مرور الزمن إلى سياسة إقليمية واضحة. فبدلاً من أن تنصرف الدولة إلى بناء نموذج ناجح في التنمية والحرية داخل حدودها، أخذت تبحث عن توسيع نفوذها خارجياً عبر دعم جماعات مسلحة وتنظيمات عقائدية في عدد من الدول العربية.
في العراق، الذي كان يوماً من أكثر البلدان العربية تقدماً في التعليم والثقافة والبنية التحتية، تحولت الساحة بعد عام 2003 إلى ميدان نفوذ إقليمي تتصارع فيه القوى المختلفة. وقد لعبت الميليشيات المرتبطة بطهران دوراً كبيراً في ترسيخ مناخ الانقسام الطائفي، وفي إضعاف مؤسسات الدولة، وفي تحويل الصراع السياسي إلى صراع مذهبي عميق ترك آثاراً مدمرة على المجتمع العراقي.
أما في سوريا، فقد تدخلت إيران بشكل مباشر وغير مباشر في الحرب الدائرة هناك، مقدمة دعماً عسكرياً واسعاً للنظام. هذا التدخل أسهم في تعقيد الصراع وإطالة أمده، وفي تحويله إلى حرب إقليمية مفتوحة، دفعت ثمنها ملايين العائلات السورية بين قتيل ولاجئ ومهجر.
وفي لبنان، تحول ح*زب ال*له – الذي نشأ في سياق مقاومة الاحتلال الإ*سر*ائي*لي – إلى قوة عسكرية وسياسية تتجاوز سلطة الدولة في كثير من الأحيان. ومع مرور الوقت، أصبح لبنان ساحة للصراعات الإقليمية، وتعرض اقتصاده الهش لضربات متلاحقة، بينما ظل الشعب اللبناني يرزح تحت أزمات مالية واجتماعية خانقة.
وفي اليمن، أدى صعود جماعة الحوثي ودخول البلاد في حرب طويلة إلى كارثة إنسانية تعد من الأسوأ في العالم. وقد أصبح اليمن مثالاً مأساوياً على كيف يمكن للصراعات الإقليمية أن تحوّل بلداً فقيراً إلى ساحة حرب مفتوحة لا نهاية واضحة لها.
واليوم تشهد المنطقة تصعيداً خطيراً في ظل الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإس*رائي*ل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فقد أدت هذه المواجهة إلى دمار واسع في البنية التحتية داخل إيران، نتيجة سنوات طويلة من التوترات والصدامات التي غذتها الأيديولوجية الثورية القائمة على الصراع المفتوح مع الغرب ومع إس*رائي*ل. فخطاب الثورة الإسلامية منذ بداياته رفع شعار القضاء على إس*رائي*ل، واعتبر الولايات المتحدة “الشيطان الأكبر”، وهو خطاب أيديولوجي دفع المنطقة مراراً نحو حافة المواجهة.
وخلال الأيام السبعة عشر الأخيرة من التصعيد العسكري، اتسعت دائرة الضربات والهجمات، ولم تقتصر المواجهة على القواعد العسكرية أو المواقع الاستراتيجية، بل امتدت آثارها إلى منشآت مدنية ومواقع اقتصادية في دول الخليج، إضافة إلى مناطق في العراق. وقد أدت هذه الهجمات إلى زيادة حالة القلق وعدم الاستقرار في المنطقة، وإلى تهديد منشآت حيوية تمس حياة ملايين المدنيين.
وفي خضم هذه التطورات، برزت تصريحات لبعض الشخصيات السياسية التي دعت العالم الإسلامي إلى الوقوف مع إيران. فقد دعا علي لاريجاني الدول الإسلامية إلى دعم إيران باعتبارها دولة إسلامية تواجه خصومها، كما صدرت تصريحات مشابهة من نوري المالكي دعا فيها السنة والشيعة في العالم الإسلامي إلى الوقوف إلى جانب إيران في هذه المواجهة.
غير أن هذه الدعوات تطرح تساؤلات عميقة لدى كثير من العرب والمسلمين: كيف يمكن مطالبة الشعوب الإسلامية بالوقوف مع طرفٍ ما، في حين أن السياسات الإقليمية لذلك الطرف كانت خلال العقود الماضية سبباً في صراعات داخل عدد من الدول العربية؟ وكيف يمكن تجاهل ما شهدته المنطقة من تدخلات عسكرية وصراعات طائفية وانقسامات حادة أثرت في استقرار المجتمعات؟
إن المأساة الكبرى لا تكمن فقط في الصراعات بين الدول، بل في الانقسام الذي أصاب المجتمعات الإسلامية نفسها. فبدلاً من أن تكون المنطقة فضاءً للتعاون بين السنة والشيعة، تحولت الخلافات المذهبية إلى وقود لصراعات سياسية وعسكرية. وغالباً ما يدفع المواطن العادي، أيّاً كان مذهبه أو قوميته، ثمن هذه السياسات.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في طبيعة الدولة التي تحتاجها مجتمعاتنا. فالدولة القادرة على حماية شعوبها ليست دولة الميليشيات ولا دولة الشعارات الأيديولوجية، بل الدولة المدنية الحديثة التي تقوم على القانون والمؤسسات.
إن الدولة المدنية الديمقراطية، التي تحترم التعدد الديني والقومي، وتفصل بين الدين والسياسة، هي الإطار الذي يمكن أن يضمن حقوق جميع المواطنين دون تمييز. وفي مثل هذه الدولة لا تحكم الميليشيات، سواء كانت سنية أو شيعية، بل تحكم مؤسسات وطنية تمثل الشعب وتخضع للدستور والقانون.
إن المواطن في الدولة الحديثة لا يُقاس بانتمائه الطائفي أو المذهبي، بل بصفته مواطناً كامل الحقوق. فالوطن هو الأساس الذي يجمع الجميع، وهو الإطار الذي يحمي كرامة الإنسان وحقوقه مهما كانت عقيدته أو قوميته.
إن مستقبل الشرق الأوسط لا يمكن أن يُبنى على صراعات الأيديولوجيات ولا على مشاريع التوسع والنفوذ، بل على احترام سيادة الدول وبناء أنظمة ديمقراطية وطنية تضع الإنسان في مركز الاهتمام.
وعندما يصبح الوطن هو القيمة العليا، يمكن لشعوب المنطقة أن تتجاوز جراح الماضي، وأن تفتح طريقاً جديداً يقوم على السلام والعدل والتعاون، بعيداً عن الحروب التي لم تجلب لشعوبنا سوى الخراب والانقسام.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى