مقالات دينية

أغستينو من ناشط ماسوني إلى كاهن كاثوليكي

أغستينو من ناشط ماسوني إلى كاهن كاثوليكي
إعداد / وردا إسحاق قلّو
  أغستينو هو من سليل عائلة إيطالية ثرية وملحدة سكنوا مدينة ميلانو. إسمه ( أداواردو حيميلي ) استبدلهُ بأغوستينو تيمناً بذلك التائب الكبير القديس أغوسطنيوس الذي صار شفيع المرتدين إلى المسيحية، ومن الصدف أن بين عماد أغوسطينوس وميلاد أدواردو ( 1500 ) سنة بالضبط , ولد في 18- 11- 1878. دَرَسَ الطب وإختص بعلم الأعصاب والأمراض العقلية، ولم في مهنته الإنسانية. وإنتسب إلى الماسونية والحزب الشيوعي. وكثيراً ما كان يناقش مع الأطباء في أمور الدين والإجتماعيات. تطوع لمعالجة المرضى في المستشفى العسكري لدوافع إنسانية. وهناك كان المسيح بإنتظاره. في الخامسة والعشرين من عمره فيما كان يعالج مريض مدنث، طلب منه المريض أن يسمح لهُ بتقبيل وجنتهِ كما يقّبل أمُهُ قبلة الوداع الأخير، وأن يستدعي له كاهناً يمنحهُ الأسرار الأخيرة كالإعتراف، وتناول القربان المقدس، ومشحة المرضى. ولما كان قلب الطبيب عطوفاً ورقيق الشعور، ورغم عدم إيمانه بكل هذه الإمور ، لبى رغبة المريض المنازع وأسرعَ إلى الكنيسة لأول مرة في حياتهِ ليأتي بالكاهن الذي زَوّدَ المريض بالأسرار الكنسية وبعدها فارق المرض الحياة. فكان هذا الحدث نقطة تحول في حياة الطبيب الماسوني والشيوعي الناشط. إنها ساعة الله تدق لتعمل النِعمة في أعماق كيان الإنسان وتقلبهُ رأساً عقب. كان ذلك يوم خميس الأسرار من سنة 1903. في 7 تشرين الثاني من نفس السنة عاد إلى المنزل في الساعات الأولى من الصباح بعد تغيب يومين. وكانوا أهلهِ قلقين جداً من تأخرهِ. إنه كان في زيارة ومقابلة رئيس دير الفرنسيسكان خارج المدينة طالباً الإلتحاق برهبنتهم الذي سيصبح أحد أشهر أبنائها في القرن العشرين. وعند المساء غادر البيت نهائياً، وبعث لأهلهِ رسالة مختومة، قال فيها:
أعزائي، عندما تصل هذه الرسالة إليكم أكون قد دخلت الدير حيث أبدأ الحياة الرهبانية التي أشعر بأني مدعو إليها بقوة لا تقاوم. لقد أخفيت عنكم قراري هذا لأن كلامكم وتصرفاتكم تؤكد في أنه من المستحيل الحصول على موافقتكم. سأتابع الدعوة الرهبانية للحصول على الخلاص الأبدي الذي علينا جميعاً أن نسعى إليهِ. سأظل أحبكم كما كُنتَ وأذكركم في صلواتي. أرجوكم أن لا تبحثوا عني… أدواردو.
   خلع طقمهُ العلماني الأنيق الذي كان يرتديه الرسميات والحفلات الراقصة ليلبس رداء الراهب الخشن ، ويتمنطق بحبل أبيض على غرار مار فرنسيس الأسيزي ورهبانه. ودَّعَ الطب وكل نشاطاته الثورية الماركسية والماسونية ولعدائه للكنيسة الكاثوليكية مستبدلاً أياها بنذر الطاعة والعفة والفقر الإنجيلي.
   في سنة الإبتداء سكن في حجرة ضيقة فيها فراش على البلاط ومغسلة جماعية. كُلِفَ بكَنس الحجرات ومماشي الدير وتنظيف المراحيض وغيرها، وكان راضياً بذلك. والرئيس ومعلِم المبتدئين والرهبان معجبون به إذ كان مثالاً حياً أمام الجميع في كل شيء، وفي ممارسة الإماتات والأصدام المفروضة والطوعية تكفيراً عن سنواته الضائعة كما يقول شفيعه أوغسطينوس لأمثاله: إنك تركض ولكن خارج الطريق.
بعد إنذار النذور الرهبانية الثلاثة، مع تشديد على نذر الفقر في هذه الرهبانية. أكب مع درس العلوم الكنسية اللاهوتية مع إعتقاء من المواد الفلسفية التي سبق وإن درسها في الجامعة.
 إرتسم كاهناً وباشر نشاطاته الرسولية على مختلف الأصعدة بخاصةً في حقل إختصاصه الذي وضعه في خدمة الكنيسة أي في الطريق الصحيح.
   في مطلع حياته الكهنوتية سنة 1908 ذكرى مرور خمسين عاماً على ظهورات العذراء في لورد وما رافق ذلك من الحملات المسعورة التي شنها عدد من الأطباء والفلاسفة العقلانيين الملحدين ضد المعجزات الفائقة للطبيعة التي حصلت في لورد والتي لا يقرها العلم ولا يعترف بها العقل البشري ولا علم الطب الحديث. فضلاً عن أن مياه النبع التي يستحم بها المرضى أمام المغارة تحتوي على عنصر شفائي. وما إن يخرج منها المرضى حتى يعودوا معافين، فإنبرى الطبيب الراهب الجديد وهو في مطلع حياته الكهنوتية. الرد على زملائه الأطباء بسلسلة أبحاث علمية موَثَقة ، ومحاضرات مدرسية بعنوان ( أشفية لورد أمام العلم ) نالت إستحسان أهل الإختصاص. فربح المعركة، لكنه خسر مقعده في نقابة أطباء ميلانو، لتحامل عدد من زملائهِ عليه حقداً وتشفياً. فعوّض عليه البابا بيوس الحادي عشر بتعيينه رئيساً للأكاديمية الحبرية للعلوم حتى عودته إلى ذراع الآب في 15 تموز 959 عن إحدى وثمانين سنة.
  للأب أغوستينو مجموعة كتب تبحث في الحياة الروحية والرهبانية الفرنسيسكانية. والتوفيق بين الإيمان والثقافة العصرية، ترجمت إلى لغات كثيرة. وقد كرمته الجامعات الوطنية والأجنبية فهو يحمل عَشر دكتوراه فخرية منها، وهو رقم قياسي لم يحصل عليه إلا الأقلية من كبار العلماء العلمانيين. ومن إنجازاته العظيمة تأسيس الجامعة الكاثوليكية للقلب الأقدس التي تحمل إسمه، وإنشاء فروع لها في المدن الإيطالية الكبرى.
   وفي روما أسس مستشفى ( الأب أغوستينو جيميلي، ) وهي التي كانت تعالج فيها قداسة البابا القديس يوحنا بولس الثاني من أمراضه، وبصورة خاصة على أثر محاولة إغتياله سنة 1980. بعد أن كان أغوستينو مناضلاً شيوعياً وماسونياً خدم الرب ستة وخمسون سنة ( كالعبد الصالح الأمين الذي تاجر بوزنات سيدهِ ).

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى