تغيير وزير الإعلام… هل تبدأ سوريا مراجعة خطابها العام؟ –
في بلد أنهكته الحرب والانقسامات والعزلة، لا يُنظر إلى تغيير وزير الإعلام بوصفه تفصيلاً إدارياً عادياً، بل كإشارة سياسية وثقافية قد تحمل دلالات أوسع تتعلق بشكل الدولة وخطابها في المرحلة المقبلة. ومن هنا، تبدو خطوة تعيين وزير إعلام جديد في سوريا خطوة تستحق التوقف عندها، خاصة مع الحديث عن شخصية شابة قادمة من خلفية أكاديمية وعملية مرتبطة بالإعلام الحديث وتطوير المؤسسات.
تعيين الدكتور خالد زعرور، وهو من أصغر الوزراء سناً في الحكومة الجديدة، يطرح تساؤلات حقيقية حول ما إذا كانت البلاد تتجه نحو تغيير فعلي في طريقة إدارة الإعلام الرسمي، أم أن الأمر سيبقى مجرد تبديل للأسماء دون مراجعة عميقة للأداء والخطاب.
خلال الفترة الماضية، عانى الإعلام السوري من أزمات متراكمة؛ أبرزها ضعف المهنية، وهيمنة الخطاب التحريضي، وغياب القدرة على مخاطبة السوريين بمختلف توجهاتهم، إضافة إلى الفشل في مواكبة التحولات الكبيرة التي غيّرت شكل الإعلام في العالم. لذلك، فإن وجود شخصية متخصصة في الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات قد يفتح الباب أمام أسلوب مختلف، خاصة إذا ترافق ذلك مع مساحة أوسع للعمل المهني الحقيقي.
لكن التحدي لا يتعلق بالتقنيات فقط. فالأزمة الأساسية في سوريا ليست أزمة كاميرات أو منصات إعلامية، بل أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع. والإعلام، مهما تطور شكله، لن يكون مؤثراً إذا بقي عاجزاً عن معالجة القضايا الحقيقية التي يعيشها السوريون يومياً: الفقر، تراجع الخدمات، البطالة، الانقسام المجتمعي، ملف المعتقلين، العدالة الانتقالية، وغياب الحياة السياسية الطبيعية.
كما أن أي إصلاح إعلامي جاد لن ينجح إذا بقي معزولاً عن إصلاحات أوسع داخل مؤسسات الدولة. فالحاجة اليوم لا تبدو مقتصرة على تغيير في وزارة الإعلام، بل تمتد أيضاً إلى مراجعة أداء وزارات أساسية، وفي مقدمتها الثقافة والعدل، إلى جانب إعادة النظر في السياسات الاقتصادية التي فاقمت الأعباء المعيشية على السوريين.
وزارة الثقافة، على سبيل المثال، يفترض أن تكون مساحة لإعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة بعد سنوات الاستقطاب والكراهية، لا مجرد مؤسسة للأنشطة الشكلية. أما وزارة العدل، فهي أمام استحقاق أكثر حساسية يتعلق بإعادة الثقة بالقضاء، ومتابعة ملف العدالة الانتقالية بوصفه مدخلاً ضرورياً لأي استقرار مستقبلي حقيقي.
وفي الجانب الاقتصادي، لم يعد ممكناً التعامل مع الأزمات المعيشية عبر حلول مؤقتة أو خطابات عامة. السوريون يريدون رؤية خطط اقتصادية واقعية تتعامل مع التضخم، وفرص العمل، وإعادة تحريك الإنتاج، وليس الاكتفاء بالشعارات.
اللافت أيضاً أن الوزير الجديد يمتلك تجربة في العمل الأكاديمي وفي تدريب كوادر إعلامية داخل مناطق مختلفة من سوريا، بما فيها الشمال السوري، إضافة إلى تعاون مع مؤسسات إعلامية دولية معروفة. وهذه الخلفية قد تمنحه فهماً أوسع للتحولات المهنية المطلوبة، إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية للتطوير.
في النهاية، لا تحتاج سوريا اليوم إلى تغيير الوجوه فقط، بل إلى مراجعة شاملة لفكرة إدارة الدولة وخطابها تجاه المجتمع. وأي خطوة إصلاحية، مهما كانت محدودة، ستبقى ناقصة إذا لم ترتبط بمشروع وطني يعيد للسوريين شعورهم بأن الدولة تعمل من أجلهم جميعاً، لا من أجل توازنات ضيقة أو حسابات مؤقتة.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.