مقالات

ترامب يوحد الممارسة بالخطاب – عبدالله عطية شناوة

منذ قرون عديدة خلت وفي أشد عهود الاستعمار حلكة كانت لغة المستعمرين عكس سلوكهم البربري، لغة “مهذبة” توحي بالتحضر، وتوهم ان للمستعمرين أهدافا نبيلة لمعالجة التخلف ونشر التحضر والتطور، بين شعوب العالم وأضيف لها لاحقا قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الأنسان.
واستمر هذا التباين بين سلوك ورثة الإمبراطوريات الاستعمارية ولغتهم وخطابهم السياسي، حتى الولاية الثانية لحبيب المجتمع الأمريكي دونالد ترامب الذي نال ثقة غالبية المجتمع رغم إدانته بقضايا جنائية خطيرة. واعتمادا على شعبيته قرر ترامب إزالة التناقض بين السلوك والخطاب الاستعماري، وانحط الخطاب من تهذيبه الزائف إلى بذاءة يخجل منها أبناء الشوارع ، ليعبر على نحو صريح عن سلوك سياسي مستمد من تراث عصابات المافيا وتجار الرقيق بكل ألوانه.
ولأنه يرأس أقوى دولة في العالم، ربما على مدى تأريخ البشر، عمم السلوك والخطاب المنحطين على السياسة الدولية واستخدم عبارات مثل سأستولي وسآحذ،وسأُدمر وأُزيل وأفتح أبواب الجحيم، وتعامل بعنصرية مهينة ليس فقط مع السياسيين في بلده، بل مع بلدان ومجتمعات بأكملها خاصة مع البلدان الأفريقية والمسلمة، وأهان قادتها بعبارات من قبيل: “سيضطرون لتقبيل مؤخرتي”.
ولم ينجُ من بذاءته ووقاحته وصلفه حتى شعوب وقادة بلدان أوربا التي ورث منها الغطرسة العنصرية، ووصفهم بالجبن والفشل ونكران الجميل، وغير ذلك من نعوت الإهانة والتقريع.
وأحسب ان ترامب بنقلته هذه في إزالة التناقض بين الممارسة والخطاب قد فعل حسنا، كونه أزال أوهاما تراكمت في الذهن السياسي العالمي منذ الحرب العالمية الثانية عن ان بلدان الاستعمار القديم قد تخلت عن ممارسات تأريخها البربري وطورت ثقافة تعلي قيم الحرية وحقوق الأنسان، مع انها أرست في الحقيقة نظاما عالميا يعمق الهوة بينها وبين دول العالم الأخرى ويؤيدها. عبر الشروط التجارية غير العادلة، واحتكار التكنولوجيا والتدخلات السياسية في مصائر البلدان الأخرى لإيجاد أوضاع تقيدها وتحول دون خروجها من التبعية ووأد أمكانيات تطورها المستقل.
المحزن ان هذا السلوك الأمبريالي قد نجح بالفعل في تعميم ثقافة التبعية في بلدان الجنوب العالمي، وسيّد طبقات ونخباً مستعدة للخنوع مقابل حماية يوفرها لها الإمبرياليون بكل الوسائل، من نشر ثقافة الإقرار بتفوق الغرب، واستحالة مقارعته، إلى ممارسة العن*ف ضد شعوبها، وتفتح هذه النخب أضرعها للاحتلاب مقابل ذلك،
في المحصلة لأن ترامب قفز إلى السياسة دون تأهيل ثقافي، فانه عجز عن إجادة لغة الرياء الأمبريالي التي تتشربها النخب السياسية المتنفذة في الغرب، واستخدم لغة وخطابا منحطين ينسجمان مع حقيقة الإمبريالية المتوحشة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى