الوهم والأيهام بين الأدراك الذاتي والتأثير الأجتماعي
يعد الوهم والإيهام من الظواهر النفسية والاجتماعية المعقدة التي تتداخل فيها حدود الإدراك الذاتي مع التأثير الخارجي على الآخرين فالوهم هو نتاج عملية إدراكية داخلية يقوم بها الفرد تجاه ذاته إذ يقنع نفسه بفكرة أو اعتقاد معين حتى وإن كان مخالفاً للواقع وهو في جوهره عملية دفاع نفسي لا شعورية تساعد الإنسان أحياناً على التكيّف مع الصدمات أو التناقضات التي يعيشها فالشخص الوهمي لا يهدف إلى خداع الآخرين بل يعيش في إطار من القناعة الذاتية الزائفة التي تمنحه شعوراً بالأمان أو السيطرة أو الأمل في حين أن الإيهام هو فعل اجتماعي إرادي يتعمّده الفرد لتحقيق غاية محددة وغالباً ما تكون المصلحة الشخصية أو المكسب المادي أو النفوذ المعنوي فالإيهام يقوم على وعي كامل بعملية التضليل ويعتمد على مهارة الإقناع واستغلال ثقة الآخرين وتشكيل تصوراتهم بما يخدم مصلحة الفاعل وهنا يكون الفرق الجوهري بين الفعلين أن الوهم حالة نفسية ذاتية أما الإيهام فهو سلوك تواصلي موجّه نحو الآخر
من منظور علم النفس فإن الوهم يرتبط بآليات الدفاع النفسي مثل الإنكار والإسقاط والتبرير فهو نوع من الخداع الذاتي الذي يوفّر للفرد توازناً مؤقتاً أمام القلق أو العجز أما الإيهام فيرتبط بسمات الشخصية الاجتماعية مثل الذكاء العاطفي وقدرة التأثير ويميل إلى الظهور في الشخصيات التي تعاني من نزعة للهيمنة أو النرجسية إذ يجد فيها الفرد وسيلة لبسط السيطرة أو تحقيق المكانة ومن منظور علم الاجتماع فإن الوهم يمثل ظاهرة فردية قد تتسع لتصبح جماعية حين تنتقل عبر التفاعل الاجتماعي فيتحول إلى ما يسمى “الوهم الجمعي” كما يحدث في حالات الهوس الديني أو السياسي أو الإعلامي بينما الإيهام هو أداة تستخدمها بعض الفئات لبناء نفوذها داخل الجماعة مستفيدة من حاجة الآخرين للثقة أو الرموز أو التفسير البسيط للأحداث فيتحول إلى أداة لصنع الرأي العام أو توجيه السلوك الجمعي
أما من الناحية القانونية فيُعد الإيهام فعلاً مؤثماً متى ما اقترن بقصد الغش أو ترتّب عليه ضرر مادي أو معنوي كخداع الناس في المعاملات أو الترويج لمعلومات كاذبة أو انتحال الصفة وهو ما يدخل في نطاق جرائم الاحتيال أو التزوير أو التضليل الإعلامي أما الوهم فلا يعدّ في ذاته ج#ريم*ة لأنه لا يتعدّى حدود الذات إلا إذا نتج عنه فعل ضار بالغير فيدخل عندها في نطاق المسؤولية التقصيرية غير المباشرة وهكذا يمكن القول إن القانون يجرّم الإيهام باعتباره اعتداءً على وعي الآخرين بينما يترك الوهم في دائرة المعالجة النفسية والاجتماعية
وفي المحصلة فإن الوهم والإيهام يمثلان وجهين لعملة واحدة كلاهما يقوم على تحريف الواقع لكن الأول بدافع الحاجة النفسية والثاني بدافع المصلحة الاجتماعية ويكشفان معاً عن هشاشة الإدراك الإنساني وقابليته للتأثر بالداخل والخارج على السواء مما يجعل الوعي النقدي والتربية المعرفية من أهم أدوات الحد من آثارهما في الفرد والمجتمع.