مقالات دينية

قصّة مريم العذراء صانعة حضارة ودولة المكسيك الحديثة*

إعداد / جورج حنا شكرو
إعتنق “الأزتك”، سكان المكسيك الأصليّون، أكثر الديانات الوثنيّة وحشيّة. كان كبير آلهتهم ثعبان مكسوّ بالريش، وكانوا يقدّمون له ربع مليون ضحيّة في كلّ سنة. يق*ت*لون الضحيّة وينتزعون قلبها ويقدّمونه للآلهة لتستمرّ الشمس والقمر والنجوم في الدوران وتستمرّ الطبيعة في دورتها. وعلى تلّة “تينباك” قدّموا لإلهة الخصوبة والحياة ضحايا من الأطفال والنساء الحوامل بالآلاف.
في سنة 1521 احتلّ الأسبان المكسيك وأخضعوا “الأزتك”، لكن كان من شبه المستحيل تبشيرهم. فقد كانوا حضارة متطوّرة وفيهم رؤساء وأسياد، فعانوا المذلّة. وأوقفت ذبائحهم التي باعتقادهم تجعل دورة الحياة تستمرّ. ولم يصدّقوا تبشير الكهنة الأسبان لأنّ الأسبان يق*ت*لونهم ثم يبشرونهم بالمحبّة. ودعا بعض الأسبان إلى معاملة شعب الأزتك كعبيد، وبالمقابل كان هناك كهنة يدعون لمعاملتهم بالرحمة، وعانى هؤلاء الكهنة الاضطهاد. كان الوضع مأسويًّا، وكتب أسقف المكسيك إلى البطريرك في أسبانيا أنّ الوضع يتّجه إلى كارثة إن لم تتدخّل السماء.
في 12 كانون الأول/ ديسمبر سنة 1532، وعلى تلّة تينباك، ظهرت السيّدة العذراء لفلاح من السكان الأصليّين اعتنق المسيحيّة اسمه خوان دييغو وطلبت منه أن يذهب إلى الأسقف ويقول له إنّ العذراء تريد بناء كنيسة على تلك التلّة. قال الأسقف لخوان أن يطلب علامةً من العذراء. التقى خوان العذراء ثانيةً فطلبت منه أن يصعد إلى قمّة التلّة ويجمع ورودًا ويأتي بها إليها. لم تكن الورود تنبت في تلك المنطقة ولم يكن صقيع كانون الأول مناسبًا لتنبت الورود. مع ذلك جمع خوان الورود ولمستها العذراء وحملها خوان في ثوبه إلى الأسقف.
بسط خوان ثوبه أمام الأسقف فتدحرجت أمامه ورود تنبت في المنطقة الأسبانيّة التي أتى منها الأسقف. وانطبعت على رداء خوان دييغو بطريقة عجائبيّة صورة سيّدة غوادالوبي. ودعت العذراء نفسها بهذا الاسم لأن هذه الكلمة تعني بلغة الأزتك “ساحقة رأس الحيّة”.
لم يكن عند الأزتك أبجديّة، بل دوّنوا كل شيء بطريقة الرموز. وكانت صورة غوادالوبي العجائبيّة مليئة برموز لا تحصى، فهمها كهنة الأزتك الوثنيّون للحال، وقال أحدُهم: “نحن لا نجسر حتّى على النّظر إلى سيّدة غوادالوبي”. وفحوى الرسالة أنّ السيدة العذراء هي أمّ الإله الحقيقيّ، وأنها أقوى من كلّ آلهتهم، التي ليست آلهة، وأنها لا تريد قلوب الأضاحي البشرية بل أن يؤمن الأزتك بابنها ويقدّموا له قلوبهم من دون أن ينتزعوها من صدورهم.
وبُنيت الكنيسة في ثلاثة عشر يومًا. وفي الأيام القليبة التالية اعتنق أربعو ألفًا الدين المسيحيّ، وفي سبع سنوات آمن ثمانية ملايين شخص، وزالت العداوة بين الأسبان والأزتك وتوقّفت عبادة الأزتك الوحشيّة والذبائح وق*ت*ل الأجنّة. وتوحّد الشعبان في شعب واحد وصارت المكسيك دولة واحدة وبُنيت حضارة جديدة هي الحضارة القائمة حتّى اليوم، بعد 490 سنة من الظهور العجائبيّ.
ورُفع صليب يسوع المسيح فوق تلّة تينباك أولًا، حيث الكنيسة، دلالةً على أن العذراء هي أمّ الحياة الحقيقيّة. وتُصوّرُها أيقوناتٌ كثيرة فوق تلك التلّة وهي تحتضن طفلًا أنقذته من الإجهاض. فعوض الموت أحلّت العذراء الحياة بكافة أشكالها: الحياة لشعب بأسره اعتنق الموت ديانةً له، والحياة للذين لم يولدوا بعد، والحياة لشعبٍ جديد هو اتحاد شعبين كانا نقيضَين. فدولة المكسيك الحديثة تدين بحضارتها وتكوين شعبها إلى العذراء مريم، ذلك الشعب الذي لا ينفكّ يكرمها فائق الإكرام ويزيد في تطويبها معنا ومع جميع الأجيال إلى الدّهور.
بقلم / الأب أنطوان يوحنّا لطوف

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى