آراء متنوعة

العراق بين تهويل الإعلام وصناعة الخوف وحقيقة : ماذا

العراق بين تهويل الإعلام وصناعة الخوف
وحقيقة : ماذا ينتظرنا فعلاً؟

قراءة علمية هادئة
في مستقبل الاقتصاد العراقي بين الواقع والتهويل
الدكتور ثائر العجيلي

❖ المقدّمة – حين يتأرجح النفط…
يتأرجح الكلام، لكن الدول لا تُبنى بالخوف

في كل مرة تهتز فيها أسعار النفط، يهتز معها كل شيء في العراق:

من الأسواق الشعبية إلى شاشات الأخبار، ومن موائد الفقراء إلى بيانات الأحزاب يتحوّل العالم الرقمي إلى ساحة تسابق فيها الرعب مع الشائعات،وتتنافس النشرات المسائية على من يرسم صورة أكثر قتامة،حتى يخيّل للناس أن البلاد تقف على حافة الهاوية، وأن صباح الغد قد يحمل انهياراً مالياً يعصف بالدولة والمجتمع معاً وكارثة اقتصادية لا تبقي ولا تذر.

لكن بين هذا الضجيج كله… تضيع الحقيقة.
والحقيقة لا تحابي السياسيين،
ولا تتزيّن لأجندات الإعلام،
ولا تميل حيث تميل رياح الصراعات الحزبية والطائفية والعرقية العراقية والإقليمية والدولية…

هذه المقالة لا تنتمي إلى حكومة ولا معارضة، ولا تُكتب لزيادة الهلع أو لتبرير أخطاء الدولة، بل هي محاولة لإخراج القارئ من دائرة الرعب الإعلامي، ووضعه في منطقة آمنة من المعرفة الهادئة،
كي يرى بلده كما هو:
دولة ذات قدرات مالية ضخمة،
لكنها تائهة بين ضعف الإدارة وصخب السياسة.

ما سنقوله هنا ليس رأياً،
وليس شطحة إعلامية،
ولا وعداً سياسياً.
إنه واقع رقمّي ومالي واستراتيجي
لا يعرف المبالغة ولا الخفة،
ويكشف للقارئ ما يغيب خلف موجات التخويف التي تجتاح الشارع بين حين وآخر.

هنا تبدأ الحكاية…
حكاية بلد يملك الكثير،
ويخاف كثيراً،
ويحتاج أن يعرف الحقيقة أكثر.

?الفصل الأول-ماذا يقول الإعلام؟ ولماذا يروّج للتخويف؟

في الأسابيع الأخيرة تكرّرت العبارات التالية في القنوات ومواقع التواصل:
​• ” عجز 100 تريليون! “
​• ” الدولة على حافة الإفلاس.”
​• ” الرواتب مهددة خلال أشهر.”
​• ” النفط إذا نزل إلى 50 دولاراً ستنهار الدولة.”
​• ” البرميل يجب أن يكون 100 دولار حتى لا نفلس.”

هذه الجُمل ليست جديدة؛
كل دورة انتخابية أو كل أزمة سياسية تعود بطريقة مُبالغ بها ومشحونة بالعاطفة.
والسبب بسيط:
الخوف أقوى أداة انتخابية في العراق.
بعض القوى السياسية تُدرك ان المواطن الذي يخاف على راتبه يصبح أكثر استعداداً للتصويت “لمن يعده بالخلاص”.
لكن هل هذه الجمل علمية؟
هل تعكس الواقع المالي الحقيقي للدولة؟
هل النفط عند 50 دولاراً يعني فعلاً انهيار البلد؟
سنرى الآن الصورة الحقيقية كاملة.

?الفصل الثاني – أين الحقيقة؟
(الصورة على الأرض بدون تهويل)

قبل تحليل الموازنة، لا بد من تثبيت أربع حقائق علمية واضحة، بعيداً عن السياسة:

1.العراق يمتلك احتياطيات مالية كبيرة جداً
وفق بيانات البنك المركزي العراقي (حزيران 2025):
​• احتياطيات أجنبية : أكثر من 110 مليارات دولار.
​• احتياطي ذهب : 165.25 طن (ويستمر بالزيادة).
​• رصيد مالي غير منظور بالكامل لدى وزارة المالية (DFI سابقاً).
​• فوائض نقدية تراكمت بين 2021-2025 نتيجة ارتفاع النفط.
هذه ليست أموالاً افتراضية؛
إنها موجودة ومؤكدة ومحسوبة دولياً.

2.هذه الاحتياطيات وحدها تكفي لتغطية رواتب الدولة لمدة 12–18 شهراً
حتى لو انخفض سعر النفط إلى 50 دولاراً أو أقل.

3.كلفة استخراج النفط في العراق منخفضة عالمياً
الكلفة التشغيلية + عقود الشركات تتراوح بين:
10- 14 دولاراً للبرميل فقط.

4.مشكلة العراق ليست مالاً..بل إدارة الهدر، تضخم المؤسسات، العقود الوهمية، والفساد الإداري، كلها تجعل الإنفاق غير منضبط، لكن لا تهدد وجود الدولة مالياً في المدى القريب.

?الفصل الثالث- التحليل الرقمي
لموازنة العراق 2025-2025

لفهم الصورة بدقة، لا بد من حساب الإيرادات وفق أسعار النفط المختلفة.
نفترض معدل تصدير 3.2 مليون برميل يومياً.

1. عند 70 دولاراً للبرميل
​• الإيراد السنوي : ≈ 81 مليار دولار
​• بعد الاستقطاعات : ≈ 68 مليار دولار
​• العجز الفعلي: منخفض وقابل للتمويل بسهولة.
2. عند 60 دولاراً للبرميل
​• الإيراد السنوي : ≈ 69 مليار دولار
​• صافي الإيراد : ≈ 57 مليار دولار
​• العجز: يرتفع لكنه قابل للتغطية من الاحتياطيات
3. عند 50 دولاراً للبرميل
​• الإيراد السنوي : ≈ 58 مليار دولار
​• صافي الإيراد : ≈ 47 مليار دولار
​• العجز: مؤثر لكنه لا يهدد الرواتب
4. عند 40 دولاراً للبرميل
​• الإيراد الصافي : ≈ 35 مليار دولار
​• تبدأ ضغوط مالية على المشاريع وليس الرواتب
5. عند 30 دولاراً (أسوأ سيناريو عالمي نادر الحدوث)
​• الإيرادات تهبط بشدة
​• الدولة تعتمد على الاحتياطي والاقتراض الداخلي
​• الرواتب تستمر ولكن المشاريع تتوقف

?الفصل الرابع – أين تذهب نفقات الدولة؟

لنوضح الصورة أكثر:

?نفقات الرواتب والمتقاعدين:
​• موظفون : ≈ 66 تريليون دينار
​• متقاعدون : ≈ 22 تريليون
​• الحماية الاجتماعية : 6 تريليونات
المجموع : ≈ 94 تريليون
وهذا يغطيه النفط+الاحتياطات بسهولة في المدى القصير.

?الهدر الحقيقي:
​• عقود تشغيلية مبالغ بها
​• مشاريع وهمية
​• تضخم إداري
​• فساد مؤسسي
هنا تكمن المشكلة الحقيقية وليست في سعر النفط.

?الفصل الخامس – سيناريوهات مستقبلية
للاقتصاد العراقي (12-24 شهراً)

? السيناريو الأول: النفط بين 60-70 دولاراً
( الأكثر احتمالاً )
​• الوضع المالي مستقر
​• الرواتب مؤمّنة
​• المشاريع مستمرة وفق أولويات

⛅ السيناريو الثاني : النفط عند 50 دولاراً
​• الضغط يزداد
​• المشاريع الاستثمارية تتقلص
​• الرواتب آمنة عبر الاحتياطي

? السيناريو الثالث : النفط عند 40 دولاراً
​• تزداد صعوبة تغطية النفقات التشغيلية
​• تحتاج الدولة لإعادة ترتيب الإنفاق

⛈ السيناريو الرابع: 30 دولاراً (أزمة عالمية عميقة)
​• تلجأ الدولة للاقتراض الداخلي
​• الرواتب مستمرة
​• الاستثمارات تتوقف بالكامل
​• يعود سيناريو 2020 لكن بقدرة احتياطية أقوى

?الفصل السادس – ماذا تقول المؤسسات الدولية؟

البنك الدولي:
​• العراق هش اقتصادياً
​• لكنه غير مهدد بالانهيار
​• المشكلة في غياب الإصلاح

صندوق النقد الدولي:
•الاحتياطيات العراقية “ممتازة وقادرة على امتصاص الصدمات”.
​• الخطر الأكبر:تضخم القطاع العام واستمرارالهدر،
بمعنى:
المؤسسات العالمية لا ترى”انهياراً”بل “ضرورة إصلاح”.

?الفصل السابع – الإصلاح الحقيقي…أين يبدأ؟

ليس بتقليل الرواتب ولا رفع الضرائب على الفقراء…
بل عبر:
1. إيقاف استنزاف العقود الوهمية
2. ضبط الإنفاق التشغيلي
3. تقليص تضخم الإدارات
4. تحويل الدولة من “موزع رواتب” إلى “منتِج اقتصاد”
5. دعم المصانع المحلية
6. إصلاح الجباية والكمارك
7. محاربة التهريب
هذه الإصلاحات تخفض العجز أكثر من أي ارتفاع في سعر النفط.

❖الخاتمة – كيف نمنع النفط من خطف الدولة…
ونمنع الدولة من إضاعة مستقبلها؟

العراق أمام سؤال لم يعد يحتمل التأجيل
أكبر من سعر نفط،
وأعمق من عجز موازنة،
وأخطر من تهويل إعلامي:
هل نبقى أسرى لتقلبات النفط..
أم نصنع مستقبلاً يستحقه العراقيون ؟
الطريق واضح:

1. تحييد العراق عن صراعات الشرق الأوسط لحماية الاستقرار الوطني وضمان بيئة اقتصادية آمنة.

2. إنهاء استخدام العراق كساحة نفوذ خارجي واستعادة القرار السيادي الكامل دون تدخلات.

3. سياسة خارجية تحمي الأصول العراقية في البنوك الأمريكية وتضمن استمرار الحماية القانونية ومنع ملاحقات الديون المتراكمة منذ 1990.

4. تثبيت الهدوء الاستراتيجي داخل البلاد
بوصفه شرطاً للتنمية والإصلاح الاقتصادي.

5. تحرير النفط من هيمنة الأحزاب والمصالح الضيقة ليعود مورداً وطنياً يدعم الدولة لا الفساد.

6. بناء اقتصاد متنوع على نموذج التجارب الخليجية الناجحة للانتقال من الريعية إلى اقتصاد عالمي منتج.

7. تعزيز الموارد غير النفطية كركيزة للاستقرار المالي من خلال الضرائب العادلة وضبط المنافذ ومحاربة التهريب.

8. استعادة ثقة المستثمرين عبر إصلاح مالي وإداري شفاف لجذب رؤوس الأموال وتنشيط القطاع الخاص.

9. علاقات دولية متوازنة تحفظ مصالح العراق العليا بعيداً عن الاصطفافات وتوترات المحاور.

10. بناء دولة مؤسسات قوية لا تخضع لابتزاز السلاح أو الفساد لتأسيس اقتصاد يحمي المواطن لا الطبقات المتنفذة.

العراق ليس أقل منهم…
بل ربما يمتلك فرصاً أكبر.
لكن الفرص بلا قرار تتحوّل إلى خسائر…
والأمم لا تنهض بالصدف.

العراق لن يسقط إذا انخفض النفط…
لكنه يسقط إذا بقي أسير الصراع السياسي، والمصالح الحزبية، والارتهان الخارجي،
وبعيداً عن الرؤية الاقتصادية التي تُشبه شعبه لا طبقاته الحاكمة.
طريق النهوض متاح،
والوقت ما يزال لصالح العراق،
لكن النافذة تضيق…
ولا بد من أن تبدأ الخطوة الأولى الآن.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى