مقالات

العراقي في حروب العالم… أين يقف القانون من المقاتلين في

لم يعد موضوع التحاق بعض العراقيين بالقتال في ساحات الحرب خارج البلاد مسألة بعيدة أو هامشية، بل صار ملفاً أمنياً وقانونياً حاضراً على طاولة الدولة. اللقاء الذي جمع السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى بمستشار الأمن القومي رفقة لجنة الأمر الديواني المعنية بمكافحة تجنيد العراقيين للقتال في روسيا، لم يكن لقاءً بروتوكولياً، بل رسالة واضحة بأن الدولة قررت التعامل مع هذا الملف بوصفه مسؤولية سيادية لا رأياً سياسياً ولا تعاطفاً عاطفياً. فالعراقي، مهما كانت دوافعه أو مبرراته، لا يملك حق تحويل نفسه إلى مقاتل في حرب لا تخص بلده، ولا أن يجرّ اسمه ووثيقته الوطنية إلى صراع دولي معقّد.
القانون العراقي حسم هذا الجدل منذ زمن بعيد. المادة (165) من قانون العقوبات لم تترك منطقة رمادية، إذ قررت صراحة معاقبة كل من يلتحق، بأي شكل كان، بالقوات المسلحة لدولة أخرى دون موافقة الحكومة العراقية، متى كانت تلك الدولة في حالة حرب. النص لا يميز بين من حمل السلاح بدافع أيديولوجي، أو مالي، أو بدافع المغامرة، ولا يفرّق بين القتال المباشر أو أي عمل عدائي آخر. الفكرة الجوهرية هنا أن السيادة لا تُجزّأ، وأن قرار الحرب أو الانخراط فيها هو قرار دولة، لا خيار فرد.
خطورة هذا الملف لا تتوقف عند النص القانوني، بل تمتد إلى ما بعده. فالعراقي الذي يشارك في حرب خارجية يعرّض نفسه للمساءلة الجنائية، ويضع بلده في موقع حرج دبلوماسياً وأمنياً، وقد يتحول، من حيث لا يدري، إلى أداة في صراعات استخبارية أو سياسية لا تخدم العراق بشيء. لذلك، فإن معالجة أوضاع المتورطين لا تعني تبرير أفعالهم، بل تعني التعامل الواقعي مع النتائج، وموازنة الاعتبارات الإنسانية مع مقتضيات الردع القانوني ومنع تكرار الظاهرة.

الخلاصة التي يجب أن تصل بوضوح هي أن الحروب ليست فرص عمل، ولا ساحات بطولات فردية، ولا مساحات مفتوحة لمن يبحث عن معنى مفقود. في دولة تحاول تثبيت استقرارها، يصبح الالتزام بالقانون واجباً وطنياً قبل أن يكون التزاماً جزائياً، ويغدو تحذير الشباب من الانزلاق إلى حروب الآخرين ضرورة لا تقل أهمية عن أي إجراء أمني.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى