حينما تصبح كرة القدم ، مرآة للسياسة – حسن مدبولى
لم تعد كرة القدم في مصر مجرد لعبة أو متنفسًا جماعيًا، بل تحوّلت إلى مرآة عاكسة لطبيعة إدارة المجال العام، وكيفية توزيع القوة، وممارسة الهيمنة،دون حاجة إلى خطاب سياسي صريح،
و في بلد تضيق فيه مساحات التعبير التقليدية، غدت الرياضة ساحةً يمكن من خلالهاتصفية الحسابات الرمزية، ونقل الرسائل غير المباشرة.
من هذا المنطلق، لا يمكن فهم ما يتعرض له نادي الزمالك بإعتباره مجرد أزمة إدارية أو مالية معزولة، بل هو جزء من سياق أوسع، يتكرّر فيه نمط الإقصاء المتشدد، وتُختبر فيه حدود المسموح من الاعتراض، والحد الأدنى من الولاء، ويتجسد كل ذلك عندما تُدار المنافسة بمعايير ملونة متحرّكة، وتُعاد صياغة اللوائح والتشريعات وفق موازين قوى غير معلنة، وتتخذ القرارات لتحقيق مصالح هذا، وقهر ذاك ،
مع ترسيخ رسائل رمزية متعددة يفهمها الجمهور الرياضي كتشجيع للاستثناء لا الالتزام،
وكان لافتًا أن إحدى تلك الرسائل الرمزية جاءت عبر احتفاء رسمي رفيع بلاعب مثير للجدل ، سبق أن لاحقته عقوبات دولية، وانقسامات وممارسات محلية مخجلة،
ولم يكن المشهد حينها محل طعن أو اندهاش قانوني، بقدر ما كان أيماءة سياسية، فسّرها قطاع عريض بأنها إعادة تعريف غير مباشرة لفكرة المحاسبة، ورسالة طمأنة لمن يراهنون على النفوذ ، لا على القواعد الثابتة للعدالة،
في هذا الجو، لم يعد الزمالك مجرد نادٍ يواجه أزمات، بل تحوّل إلى وعاء تتكثف فيه مشاعر الغبن، مع عدم استقرار ممنهج، وأزمات مالية تُعزى إلى غياب العدالة في توزيع العوائد، ما أفضى الى نزيف مستمر في صفوف اللاعبين، بالتوازى مع صدامات حول التوسع المؤسسي، أبرزها جدل سحب أرض النادي وما تلاه من تصعيد قانوني وإداري.
ثم جاء التهديد بفتح ملف شبهة إهدار المال العام ، ليزيد الإحساس بالاستهداف، ليس رفضًا للمساءلة في حد ذاتها، بل تساؤلاً حول سياقها وتوقيتها وتكرار سيناريوهات سابقة مشابهة،
وقد أدى حل مجلس الإدارة المنتخب مرتين خلال سنوات قليلة، مع التهديد بإمكانية تكرار الأمر للمرة الثالثة ، إلى الإيحاء للكثيرين بأن الانتخابات نفسها أصبحت إجراءًا هشًا، قابلاً للسحق،متى تعارض مع توازنات خفية، وهو كابوس متحقق بالفعل فى عالم السياسة ،،،
الكارثة الأفظع أن تلك الأحداث ضد النادى، خلقت انقساما عاما فى الشارع المصرى ، تجاوز الدائرة الكروية إلى قطاع أوسع من المجتمع،
فبينما تتحول ردود فعل شريحة من الجمهور إلى “شماتة مخزية ” لا تعبّر بالضرورة عن قناعة بعدالة الإجراءات، بل عن خصومات تاريخية أو رغبة في هزيمة الخصم بأي ثمن، فإنه يتعمّق فى الوقت نفسه لدى جماهير الزمالك إحساسٌ قوي بالمظلومية والاضطهاد، لا يقتصر على الخسائر الرياضية، بل على تراكم الشعور بانسداد الأفق وغياب الإنصاف،والمجاملة الفجة للخصوم للتغطية على أحداث غير رياضية، على اعتبار أن جماهير الخصوم تمثل قطاعا أوسع ،
وهذا الاستقطاب الحاد – بين شماتة تُخدّر الحسّ الأخلاقي، ومظلومية قد تنزلق إلى اليأس – ليس تفصيلاً عابرًا، بل عرضًا سياسيًا بامتياز. فعندما تُدار المنافسة بطريقة تُغري فريقًا كبيرا من الناس للتصفيق والتهليل للاختلال، وتدفع الفريق الآخر إلى الإحساس الدائم بالاستهداف، فهنا تتآكل فكرة العدالة المشتركة، ويتحوّل المجال العام إلى ساحات صراع غبى وفرح مريض ،
ومن المهم القول أن ما يجري لا يخصّ الزمالك فقط، ولا كرة القدم وحدها، بل نحن أمام نموذج مصغّر لآلية إدارة الخلاف في مصر اليوم،والتى تتمحور حول تقليص القواعد، توسيع الاستثناءات، تعميق الانقسام، ثم التعويل على حزن وصبر وإنزواء الغاضبين، وتهليل وانشكاح المغيّبين المحتفين بلاشيئ حقيقى ،،،
وحين تُدار الرياضة بهذه الطريقة، تصبح السياسة حاضرة حتى وإن غابت كلماتها.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.