القاضي الظالم
القاضي الظالم
تأملات في أنجيل لوقا 18، 1-8
بقلم / المونسينيور يوأنس لحظي جيد
نتوقع دائما من القُضاة العدل والعدالة والنزاهة والحيادية وتطبيق القانون وإنصاف المظلومين وإنزال العقاب المنصف على المذنبين وحفظ السلام والعدالة الاجتماعية
لا نتوقع عامة من القُضاة الظلم أو الفساد أو الانحراف والتجاوز أو تطبيق القانون بحسب الهو والمصالح
لا نتوقع من القضاة إنزال العقاب على المظلومين ومكافأة الظالمين والمعتدين
نتوقع من القضاة احترام ميزان العدالة بأعين لا تنحاز لطرف على الأخر ولا تنظر للمصالح الخاصة على حساب الاستقامة والعدالة والصالح العام
غير أن الواقع يؤكد لنا أن بعض القضاة يختارون الفساد منهجا، والرشوة طريقا، والمصالح الشخصية دربا، والتحيز للأقوى مسلكا
الواقع يؤكد لنا أن بعض القضاة لا يطبقون القانون إلا على الضعفاء والفقراء ويستخدمون نفس القوانين لتبرأة الطغاة والظالمين
نتوقع كذلك القداسة من المكرسين، والتفاني من الأطباء والمهندسين والمحامين، والعطاء من الآباء والأمهات، والإخلاص من الأصدقاء… نتوقع دائما الكمال من الجميع ولكن الواقع يؤكد لنا فساد بعض المكرسين واستغلال بعض الأطباء والمهندسين والمحامين، وتعنت بعض الآباء والأمهات، وخيانة بعض الأصدقاء
وأمام ظلم بعض القضاة، وفساد العديد من البشر، يؤمن المؤمنون بوجود العدالة الإلهية، بوجود “قاضي القضاة” الذي يرى كل شيء ويعرف كل شيء ويجازي كل واحد بحسب أعماله، بعدل لا يعرف المحاباة، وإنصاف لا يعرف الانحياز، وأمانة لا تتغير. يؤكد الكتاب المقدس: “إن كنا غير أمناء فهو يبقى أمينا لن يقدر أن ينكر نفسه” (2 تي 2: 13)
يتحدث يسوع عن أرملة تواصل طلب العدل من قاضٍ متغطرس وعديم الضمير، وعلى الرغم من أن القاضي لا يخاف الله ولا يحترم الناس، إلا أنه في النهاية يمنحها ما تطلبه فقط لكي لا تزعجه أكثر. ويختتم يسوع قائلاً “أَفَلا يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ الَّذِينَ يَصْرُخُونَ إِلَيْهِ نَهَاراً وَلَيْلاً؟ أَمَا يُسْرِعُ فِي الاسْتِجَابَةِ لَهُمْ؟” (لو 18: 7)
لا يُشبِه يسوع الله بالقاضي الظالم، بل يستخدم أسلوب المقارنة بالتباين، فإذا استسلم القاضي الظالم أمام مثابرة الأرملة، فكم بالحري الله، وهو الصالح والعادل، سيستمع لمن يصلي بثقة وثبات ومثابرة؟
يظهر صالح الله أمام فساد بعض البشر، وتبقى نافذة الله مفتوحة وأذانه صاغية أمام الظلم، وترى عينيه ويسمع قلبه صراخ المظلومين. إنه قاضي القضاة الذي لا ينام ولا ينعس. إنه الراعي الأمين الذي يترك التسعة وتسعين لينقذ الخروف الضال. إنه الملجأ الأمين لأبنائه المضطهدين. إنه الحصن الآمن أمام أمواج وأعاصير الحياة. إنه الصخرة الثابتة أمام تقلبات وخيانات البشر
إن الله قد يصمت وقد يبدو بعيدا وغير مهتم ولكنه صادق الوعد لأبنائه الصابرين والمثابرين. يَقُولُ اللهُ: “هَلْ تَنْسَى امْرأةٌ طِفْلَهَا الرَّضِيعَ، أوْ تَتَوَانَى عِنْ رَحمَةِ وَلِيدِهَا؟ نَعَمْ، حَتَّى هَؤلَاءِ يَنْسَينَ أوْلَادَهُنَّ، أمَّا أنَا فَلَا أنْسَى” (إش 15:49)
إنه يصمت وينتظر ليعرف عمق إيماننا وحقيقة مثابرتنا
إنه ينتظر حتى يختبر مدى ثقتنا في عدالته التي ستظهر وتعمل في الأوقات المناسبة، حتى لو لم تتطابق مع أوقاتنا
إنه يترقب منا، حتى وإن بدى غائبا، الاستمرار في الصلاة وعدم الاستسلام، والبقاء على علاقة به، لأن الايمان كالمحبة يُختبر بميزان الزمان والوقت والتجارب
إنه لا يتدخل فورا كي نتعلم ونكتشف أننا لن نخلص بقوتنا وأموالنا ومعارفنا، وأننا في الحقيقة مثل الأرملة، لا نملك سلطة أو صوتاً، وهو وحده القادر على منحنا الخلاص: “أنا الكرمَةُ وأنتُمُ الأغصانُ: مَنْ ثــبَتَ فِـيّ وأنا فيهِ يُثمِرُ كثيرًا. أمّا بِدوني فلا تَقدِرونَ على شَيءٍ. مَنْ لا يَثبُتُ فيّ يُرمى كالغُصْنِ فيَيبَسُ” (يو 15: 5)
المهم ألا نتوقف ابدا عن الصلاة، ألا نكف أبدا عن الإيمان، حتى عندما تبدو الأمور بعيد والليل بلا نهار والظُلم بلا نهاية، والمثابرة بلا فائدة. لذا يسأل يسوع: “متى جاء ابن الإنسان، أترى يجد الإيمان على الأرض؟” (لو 18: 7)؟ هل سيجد ايماننا في قلوب المظلومين؟ هل سيرى مثابرة في صلاة المظلومين؟ هل سيرى ثباتا في موقف المضطهدين؟ هل سيرى أناسا يؤمنون حقا بكلمته وبوعده: أَفَلا يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ الَّذِينَ يَصْرُخُونَ إِلَيْهِ نَهَاراً وَلَيْلاً؟ أَمَا يُسْرِعُ فِي الاسْتِجَابَةِ لَهُمْ؟