مقالات

فلسفة الدولة والدستور – أحمد فاضل المعموري

إن البحث في فلسفة الدولة ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وجودية لاستعادة الأمن والسلم المجتمعي في بلدٍ عصفت به الأزمات. فالدولة ليست مجرد حدود وجغرافيا، بل هي “عقل” يدير التناقضات، و”عقد” يربط الفرد بالأرض قبل أن يربطه بالحاكم والمؤسسات ،فخ الشعارات الثورية والدستور ولطالما كانت العبارات الثورية وقوداً للتحرر، لكنها نادراً ما تصلح لتكون حجر زاوية في بناء الدساتير. الدستور في جوهره هو “وثيقة انضباط” تهدف إلى تقييد السلطة وحماية الفرد . إن إقحام اللغة العاطفية والثورية في النصوص الدستورية يحولها إلى أدوات “مطاطية” تشرعن القمع تحت مسميات براقة، بينما يحتاج الاستقرار إلى لغة قانونية جافة ومحددة، تنقل المجتمع من “شرعية الح*ما*سة” إلى “شرعية المؤسسة”. ولا يمكن ان نتجاهل كل المبادئ الثورية في أمريكا واروبا جاءت نتيجة ازمات وحاجة مجتمعية حتى اصبحت مشعل ضوء لإنارة طريق هذه الدول والتي عممت الى الكثير من دول العالم الثالث وتم وضعها مواد دستورية، ولكنها للأسف لم تطبق مثلما طبقتها الشعوب التي حملتها وانما كانت شعارات براقة فقط من اجل تجميل هذه الحكومات بعد انهاء حقبة الاحتلال العثماني وحلول البديل البريطاني والفرنسي محله في منطقتنا العربية والعراق .
لايمكن فهم التخبط الحالي دون العودة إلى مرحلة ما قبل عام 2003، حيث انتهج النظام السابق سياسة “شخصنة الدولة”. لقد تم استبدال الولاء للوطن والارتباط بمؤسساته بولاءٍ مطلق للقائد؛ هذا النهج أدى إلى تجريف الهوية الوطنية وتحويلها إلى “وظيفة” تؤدى مقابل عطايا شخصية، مما أفرغ المجتمع من مناعته الفطرية. وبسبب غياب الدولة “الأم” التي تحتضن الجميع، برزت الحواضن الموازية من تجمعات دينية وعشائرية، ولكنها لم تستطع أن تسد فجوة الخلل المجتمعي المدني . هذه الكيانات، التي استفادت من هوامش معينة في ظل النظام السابق، تحولت لاحقاً إلى “ملاجئ بديلة” للولاء، وتم استغلالها و”شراؤها” لتصبح قوى متمردة على فكرة الدولة المركزية، مما جعل المجتمع العراقي عرضة للتدخلات الخارجية التي نفذت من ثقوب هذه الولاءات المشتتة.
ان بقاء الصراع بين “السياسي” و”الديني”، واستمرار الخطوط المتوازية بين رجال الدين ورجال السياسة في إدارة الدولة هو عائق بنيوي أمام التحول الديمقراطي. الديمقراطية تنشد دولة الحريات والحقوق الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود قانون غير مسيس. المخرج من هذا اللغز يكمن في إيجاد صيغة تفاهم مجتمعي تقترن بدستور واضح يتبنى “فلسفة الدولة المؤسساتية”، حيث لا ينتمي الدستور لعقيدة أو طائفة، بل يحمي حق الجميع في ممارسة عقائدهم ، وتكون المؤسسات (الأمنية، القضائية، والخدمية) خاضعة لمعيار الكفاءة والولاء للأرض، لا للمرجعية الحزبية أو المذهبية، الولاء للأرض وليس للشخص، إن الرؤية المجتمعية للدولة التي تواجه الحروب والحصار وتدخل الجوار لا يمكن أن تستقيم بالخطابات الوردية، بل بتثبيت الولاء للأرض. وفلسفة الدولة تعني تقديم رؤية شعبية مبنية على “الخوف والحرص” على مقدرات الأجيال القادمة. إن مفتاح الاستقرار هو الانتقال من حالة “الجمهور التابع” إلى “المواطن الشريك”، ومن الدستور الذي يوزع الغنائم إلى الدستور الذي يؤسس للدولة بوصفها “المؤسسة الكبرى” التي لا تنتمي لغير القانون والتحول الكبير الذي ينظر اليه بأنه تحول ديمقراطي عندما تكون المؤسسة القضائية خاضعة لمعيار كيف تتصرف ومن يحاسبها عند خرق الدستور والقانون لانها المعضلة التي تواجه النظم الديمقراطية في ظل غياب نص قانوني وهو يحتاج الى فلسفة وضبط ذاتي تكون اقوى من التبعات الادارية والفكرية والروحية ونقصد به روح القانون ،ومغادرة المصطلحات الفضفاضة مثل القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون، وهو فضفاض باعتباره سلطة موازية للسلطتين التنفيذية والسلطة التشريعية . ولا يمكن اعتبار القضاء سلطة دون اكمالها واستعانتها بالسلطة التنفيذية التي تلزم التنفيذ في نفس الوقت توجد منطقة فاصلة بين التدخل بعمل القضاء وبين وجود حاجز يمنع احتكار هذه الميزة الفريدة وهي الاستقلالية في الادارة والحرية في العمل القضائي . وهنا أكد أن العمل القضائي يبقى يناط برئيس مجلس القضاء الاعلى كرئيس أداري وقضائي فقط ولكن يجب ان ينزع صلاحية المسؤول الاعلى المباشر بوزير العدل عندما يتدخل بالجانب السياسي أو الامني للدولة لأنه قد خرج عن صلاحياته المكلف بها تحت مبدأ حماية الدولة والنظام .

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى