اخبار الكنيسة الكلدانية

معمودية يسوع ومعموديتنا!

معمودية يسوع ومعموديتنا!

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

الدنح Epiphany هو عيد الظهور الإلهي، لذا الاحتفال بهذه الأزمنة القوية (أسابيع الدنح)، يحتِّم على المؤمنين أن يُدركوا معانيَها وإبعادَها، ويشتركوا فيها، ويتفاعلوا مع النعمة المعطاة لهم.

عماد يسوع بحسب معطيات انجيل متّى (3/ 13-17)

يُبرز عماد يسوع أهمية الحدث، لا سيما وانه يُعدُّ أولَ ظهورٍ رسميّ له. ويُشكل مرحلةً حاسمةً في تاريخ الخلاص. في الدنح يتجلى روحُ الله، ويكشف عن سرّ الثالوث الأقدس للبشرية جمعاء، وليس للشعبٍ المختارِ وحدَهُ (اليهود).

لم يكن يتوقع يوحنا ان يأتي يسوع ليأخذ مكانه بين جموع المتواضعين والخطأة المحتشدين عند نهر الأردن، ويطلب المعمودية منه. لذلك جاءت ردّة فعله صادمةً: “اني لستُ مستحقاً أن أحلّ سيور حذائه” (متى 3/ 11).

حركة مزدوجة

 الحركة الأولى نحو التقليد اليهودي. معمودية التوبة أعلنها يوحنا نفسه، وبدأ بممارستها على ضفاف نهر الأردن. يسوع وضع نفسَه في صفِّ الخطأة من أجل خلاصنا. يقول الرسول بولس: “لانه جعل الذي لم يعرف خطيئة، خطيئة لاجلنا، لنصير نحن برًّ الله فيه” (2 قورنثية 5/ 21).

الحركة الثانية نحو خلاص البشر. تفتح العهد الجديد، وتُشير الى روح القداسة التي سيؤسسها يسوع. إنها “معمودية بالروح القدس وبالنار” (متى 3/ 12). معموديّة تغيّر قلوب البشر، ولن تعود مقتصرة على اليهود، بل لجميع البشر.

بنزول الحمامة وصوت الآب الذي يتردّد في السماء، يقدّم لنا انجيل متّى طقساً جديداً لم يكن يتوقعه يوحنا المعمدان على الإطلاق.

كان يوحنا واعياً بأن”زمن المسيح” قد اقترب، وأن يسوع هو المسيح، وكان حريصاً على تهيئة القلوب لاستقباله، لكنه لم يكن يتخيّل أن يكون ابنُ مريم (اليصابات ام يوحنا خالتها) هو ابن الله نفسه.

تجلّي الثالوث الاقدس

حدثٌ يكشف سرّ الثالوث الأقدس، في أول ظهور صريح للمسيح في تاريخ البشرية جمعاء.

الابن:  “فلما اعتمد يسوع، صعد للوقت من الماء” (3/ 16).

الروح القدس: “وإذا السماوات قد انفتحت له، ورأى [يوحنا] روحَ الله نازلاً مثل حمامةٍ وآتياً عليه” (3/ 16).

الآب:  “وإذا صوتٌ من السماوات يقول: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سُرِرت” (متى 3/ 17).

معموديتنا ولادة روحية تجعلنا أبناء وبنات الله

المعمودية في المسيحية سرٌّ مقدس وأساسي، تُعتبر “ولادة جديدة” بالروح القدس، حيث يندمج المؤمن مع المسيح في موته وقيامته، ويصير عضواً في الكنيسة.

 بالمعمودية يجعلنا الله أبناءً وبنات له، لذلك حرصت الكنيسة على اعداد الراغبين في الانتماء الى المسيحية من خلال المعمودية والميرون والافخارستيا (اسرار التنشئة)، اعداداً جيداً. وكانت ترافقهم في تنشئتهم بعناية مستمرة قبل المعمودية وبعدها خصوصاً من قِبل الاشبين والاشبينة. معظم المقبلين الى العماد كانوا أشخاصاً بالغين من اليهود والوثنيين، اما اليوم فمعظمهم اطفالُ لعائلات مسيحية تُعِدُّهم الكنيسة لمعمودية أولادهم.

أ. المرحلة الاولى التوبة للتطهير

كان الراغبون البالغون في اقتبال المعمودية، يُعَدّون اعداداً وافياً في فترة الصوم الكبير، فترة التوبة. ويخضعون لدورة تعليم مسيحي شامل، سميت بدورة ” الموعوظين”. كانت الرتبة في البداية بسيطة، تكرر ما يذكرهُ الانجيل عن عماد يسوع، ثم تطورت مع الزمن وفقاً لتقاليد كل كنيسة ومحيطها الثقافي والاجتماعي. كانت الرتبة تشمل المراحل الآتية، وبعضُها لا يزال قائماً الى يومنا:

تسجيل الاسم: يُمنح طالب العماد اسماً جديداً – “اسم أحد القديسين أو الآباء القدامى”، اشارة الى هويته الجديدة (نرساي الموعظة 22 ص 259) وعضويته في الكنيسة “الجماعة المدعوة من الله”. ويُسمِّي نرساي سِجلّ المعمودية بـ “سِجلّ الحياة” (الموعظة 22 ص 259) وذهبي الفم بـ “سِجلّ السماء” (الموعظة 2/ 20).
التعزيم: يقوم الكاهن المعزّم بوضع اليد على رأس الموعوظين وتلاوة بعض الصلوات لتنقيتهم من الأرواح النجسة، وتحريرهم من نفوذ الشرير. يقول ثيودروس المصيصي: “من خلال التعزيم يصدر الحكم الالهي بتحريرك من عبودية ابليس” (الموعظة 2/ 1).
الركوع: يرى ثيودروس في الركوع اشارة الى (السقطة)، أي الخطيئة والتكفير عنها: “عليك ان تطوي ركبتيك، لتظهر سقطتك القديمة، وان تسجد لله خالق الكل“ (موعظة 2/ 3). أما نرساي فيقول: “يكون – طالب العماد – راكعاً على ركبتين خلال الرتبة، الواحدة تشير الى السقطة والثانية الى التكفير” (22 ص 363).
الكفر بالشيطان: والمجاهرة بالإيمان والمَسحة. لقد وصف لنا ثيودروس هذه الرتبة بالتفصيل: “تقفون لتعلنوا: أكفر بالشيطان، بجميع أعمالهِ، بكل خدمتهِ، وبكل أباطيلهِ وأضاليلهِ، وألتزم بالعهد، وأومن وأعتمد بأسم الأب والأبن والروح القدس”. إعلان الإيمان هو بمثابة الميثاق بين الله والإنسان.

ب. المرحلة الثانية: ولادة جديدة من “الماء والروح” (يوحنا 2/ 4).

“انتم الذين اعتمدتم بالمسيح، قد لبستم المسيح” (غلاطية 3/ 27). التغطيس في المياه يرمز الى ولادة جديدة، يندمج فيها المؤمن بالله “الثالوث” وبالجماعة “الكنيسة”، “إننا تعمدّنا في روح واحد لكي نؤلف جسداً واحداً” (1قورنثية 12/ 13).

خلع الثوب: يرى معظم أباء الكنيسة، في عملية خلع الثوب، رمزاً لخلع الانسان القديم: انه بُعد عقائدي وأخلاقي. يقول قورلس الأورشليمي: “حالما دخلتم الى غرفة المعمودية خلعتم رداءَكم، وكانت هذه الصورة لخلعكم الانسان القديم مع كل اعماله” (معمودية 2/ 2). ويعد ثيودروس خلع الثوب هذا خلعاً لأكفان الموت (3/ 8)، ويوحنا ذهبي الفم يجعلهُ رمزاً لغفران الخطايا السابقة (2/ 11).
مسحة الجسم:  لهذهِ المسحة معنيان: الانتماء المطلق للمسيح “يصبح خاصته” والمناعة الروحية. يقول قورلس الأورشليمي: “ولما خلعتم ثيابكم مُسِحتُم من رؤوسكم حتى اقدامكم بالزيت المقدس، واصبحتم شركاء في الزيتونة المقدسة (رومية 11/ 24)، يسوع المسيح. اذا انتزعتم من الزيتونة البرية وطعمتم في الزيتونة المقدسة، اصبحتم شركاء لها في خصب الزيتونة الحقيقية. الزيت المكرس يرمز الى المشاركة في خصب المسيح، ويبعد كل اثر لسلطان العدو” (2/ 3).
التغطيس في الماء:  وصف لنا ثيودروس بالتفصيل التغطيس: “إذ ذاك تتقدم الى المعمودية المقدسة . تخلع اولاً كل ملابسك، ثم تُمسح كلّك بزيت المسحة، ويبدأ الكاهن يقول: يُمسح فلان باسم الآب والأبن والروح القدس. عندها تنزل الى المياه التي كرسها الكاهن، ثم يرفع يدَهُ ويضعها فوق راسك قائلاً: يُعمد فلان: باسم الآب، يغطسك في الماء في الوقت نفسه، ولو تمكنت من الكلام، لقلت: آمين ! أما أنت فانك تغطس في الماء ثم ترفع رأسك، بينما الكاهن يقول من جديد: والأبن، وعلى النحو نفسهِ يغطسك بيدهِ، ثم ترفع رأسك، ومن جديد يقول الكاهن: والروح القدس، وعلى النحو نفسهِ يغطسكَ بيدهِ: وعندما تصعد من الماء، تتشح بثوب ابيض. ثم يتقدم الكاهن ويسِمُك على جبينك قائلاً: يوسَم فلان باسم الاب والابن والروح القدس” (3/ 401-402). هكذا يندمج المؤمن مع موت المسيح وقيامته، ويصير عضواً في الكنيسة. بالمعمودية يُدفن المؤمن مع المسيح ويقوم معه في جدة الحياة (رومية 6: 3-4). التغطيس للإناث كان يتم من قِبل الشمّاسة.

الحُلّة البيضاء: تشير الى جَدة الحياة، فعليه ان يسعى لتزيين ذاته روحياً. (نرساي 21 ص 344). للحُلة البيضاء بُعدان: البعد الخُلقي: البقاء على الأمانة والنقاء. والبعد الاُخروي: التطلع بالرجاء الى المجد العتيد.
الوسم بالميرون: هو للتثبيت Confirmation، ليكون نموذجاً للمسيح: يرى امبروسيوس في هذا الوسم على الجبين رمزا لعطر القيامة: “توسم حتى تنشر عطر القيامة الممتاز وتصبح من اصل كهنوتي متميز” (في الاسرار 29/ 30). يتكلم ذهبيّ الفم عن الجهاد الروحي (2/ 3) ويجعله ثيودروس دليل إقتناء مواهب الروح القدس (3/ 27). ويرى فيهِ أفرام رمزاً للعهد المُبرم بينهُ وبين الله، لذلك يغدو المعمّد كاهناً وملكاً ونبياً (البتولية 8/ 2).

على أية حال لا يفصل الآباء بين المعمودية والميرون، انما يعدونهما سراً واحداً ورتبة واحدة. ان الاسرار كلها تتم بالروح القدس.

الاكليل: الموضوع على رأس المعمد صورة للحرية.
المناولة: كان يحتفل بالقداس عادة بعد المعمودية. فكان الكاهن يقود المعمدين بالطواف الى الكنيسة حيث ينتظر جمهور المصلين، فحالما يقول الكاهن:  السلام معكم، كانوا يتبادلون قبلة السلام، بعدها يحتفلون بالذبيحة الالهية. وفي الختام يقتبل المعمدون القربان، ويكون هذا بمثابة تناولهم الاول. يقول كتاب التقليد الرسولي: “عندما ينتهون من صلاة المسحة، يتبادلون قبلة السلام… في تلك الاثناء يقوم الشمامسة بجلب القرابين الى الاسقف ليباركها”.

يدمج معظم الآباء فكرة الولادة الجديدة بالطعام الجديد. يقول ثيودروس: “بعدما تولدون سرياً بالمعمودية، تتقدمون من المائدة لتناول الطعام الملائم لولادتكم” (3/ 29). ويشبّه نرساي وليمة القداس بوليمة العرس. انهُ يُقيم خدراً رائعاً شبيهاً بالخدر السماوي حتى يرى سرياً ما سيتمتع به في النهاية… حالما يولدون في المعمودية، يرضعون الروح… ان هذا الطعام السامي مُعد خصيصاً للمولودين الجدد” (21 ص 205). بعض الكنائس الشرقية غير الكاثوليكية تناول القربان المقدس للمعمدين الصغار.

ملاحظة: في لاهوت كنيسة المشرق، ليس مفهوم الخطيئة الأصلية واضحاً، لذلك في معمودية الاطفال لا توجد تعزيمات، فالأطفال لا يُعمدون بسبب الخطيئة، انما لنيل النعمة – أي استقبال نعمة البنوة الالهية (باباي الكبير، الاتحاد ص 116). قد يكون اقتبسهُ من قول يوحنا ذهبي الفم: “اننا نعمد الاطفال، بالرغم من انهم من دون خطيئة، حتى يكون لهم: البر، البنوّة، الارث، النعمة… اي حتى يكونوا اخوة المسيح واعضاء جسده ويسكن فيهم الروح القدس”.

ملاحظة: هذا الخبر معمودية يسوع ومعموديتنا! نشر أولاً على موقع (البطريركية الكلدانية) ولا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. يمكنك الإطلاع على تفاصيل الخبر كما ورد من (مصدر الخبر)

عرضنا لكم أعلاه تفاصيل ومعلومات عن خبر معمودية يسوع ومعموديتنا! . نأمل أن نكون قد تمكنا من إمدادك بكل التفاصيل والمعلومات عن هذا الخبر الذي نشر في موقعنا في قسم أخبار مسيحية. ومن الجدير بالذكر بأن فريق التحرير قام بنقل الخبر وربما قام بالتعديل عليه أو الاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة تطورات هذا الخبر من المصدر.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى