مقالات عامة

الفيلسوف إما كالعنكبوت أو كالنّملة أو كالنّحلة

في سعينا نحو فهم أنفسنا وفهم الكون الموضوعي من حولنا، نرى الإنسان يقلّد إحدى الثّلاثة حشرات “العنكبوت، النّملة، النّحلة”، وهذا ما سطّرهُ الفيلسوف الإنجليزي الكبير (فرانسيس بيكون).

لقد كتب مرة يقول: (إن الفلاسفة الإعتقاديون أو اليقينيون “الدوغماتيون” كالعنكبوت، فالعنكبوت تمثّل العقلانيّة والإنعزاليّة المتولّدة عن الفكر الخالص، حيث تعتمد فقط على الداخل، وتتّكل على عقلها لوحده، وتنسج بيتها من مادتها ومن نفسها فقط، ولا تستند على الخارج، ولا تستعين بمن هم في المحيط، ولا تستصرخ من حولها، وهذا الذي يجعل بيتها ضعيف وحياتها هشّة! وهكذا يفعل الفيلسوف الإعتقادي، حيث يكون متزمّت لمبدأ ما أو لعقيدة ما أو لفكر ما من غير وجود أدلّة كافية، فقط متعصّب لهذه الأيديولوجيا التي يصدر عنها).

وأكمل يقول: (أما الفلاسفة التجريبيين والمنطقيين والعمليين “الأمبريقيين” كالنّملة، فالنّملة تمثّل جمع التجارب كما هي، ولا تُلحق أو تُتبع بها أشياء جديدة، ولا تعتاض بها حاجات أخرى، حيث أنها تعتمد فقط على الخارج، وتبحث وتكتشف وتجمع طعامها ثم تستهلكه! وهكذا يفعل الفيلسوف التجريبي، حيث يقوم بالبحث والإستقراء ويجمع الدلائل ويجربها كما هي دون أن يضيف عليها أو يستبدلها).

ثم ختم يقول: (أما الفيلسوف الحقيقي هو كالنّحلة، فالنّحلة هي عين الفلسفة، لأنها تسير مساراً متوسّطاً تعتمد فيه على الداخل والخارج معاً، حيث أنها تتنقّل في الفضاء من زهرة إلى أخرى، وتجمع ما أخذته في داخلها من رحيق، ولكنها لا تكتفي به! فتضع لمستها السّحريّة، وبصمتها الإبداعية والإبتكاريّة، فتقوم بتخليقه لكي يصبح عسلا لذيذاً ونافعاً وشفاءً للناس).

إنني أعتقد أن كل إنسان على صحن الأرض يسلك في هذا العالم إما سلوك العنكبوت أو النّملة أو النّحلة، لكن مصيبتنا هي أن سلوك الأغلبية يكون محصوراً ما بين “العنكبوت أو النّملة” فقط، وهذا هو سبب سطحيّة الفكر الإنساني أنّه لا يَصْدر عنه الإبداع.

ولا عجب أن الله تعالى ذكر في كتابنا الكريم وفي مصحفنا ثلاثة سور بإسم هذه الحشرات الثلاثة “سورة العنكبوت، وسورة النمل، وسورة النحل”، والتي تمثّل بالنّسبة لي الفلسفة الحقيقية نحو فهم أنفسنا وفهم الوجود الموضوعي من حولنا.

في النّهاية:

كن كالنّحلة، التي تَقطن ما بين العنكبوت وبين النّملة.

كن كالنحلة نستنشق منك ريحاً طيباً، ونرى فيك معنى وإبداعاً وحكمة.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى