التنمية البشرية وعلاقتها بالتغييرات البيولوجية
بقلم: سالي عبيد
الباحثة في التنمية البشرية
عبر الأجيال المتعاقبة لم يولد الإنسان مكتمل التكوين الفكري والنفسي، بل ظل يتشكل تدريجياً تحت أثر التربية والبيئة وما يحيط به من تجارب، تلك التجارب التي لها الأثر الكبير في صياغة الوعي والارداك الذاتي له تدريجيا. ثم تبدأ مرحلة الطفولة التي تشكل البذرة الأولى لتكوين الشخصية فى مسار هادئ حتى لحظة فارقة تتغير فيها الملامح النفسية والعقلية لتبدأعندها مرحلة المراهقة.
أما المنعطف الأشد حساسية في هذه الرحلة وهي عندما ينفتح فيها الإنسان على ذاته متجاوزاً المألوف ساعيا الى صياغة هويته وبناءشخصية أكثر خصوصية واستقلالا .
السؤال هنا ماالذي يطرأ على سلوك الإنسان في هذه المرحلة ،وما الذي يجعل هذه المرحلة تحديدا تبدو وكأنها فجوة فاصلة بين ما كان عليه في طفولته وما أصبح عليه؟
يوضح دكتور(فرويد) مؤسس مدرسة التحليل النفسي، أن الطفولة هي الأساس الحقيقي لتكوين شخصية الإنسان لاسيما ان كثيراً من المشاكل والسلوكيات التى تؤثر على سلوكياته فيما بعد تعود إلى الماضي.
في السياق ذاته لقد سادت في مراحل سابقة بعض أساليب التربية القائمة على الحزم والطاعة والاحترام ،حيث نشأ الطفل على الانضباط قبل أن يكون معبراً عن ذاته ،مدركا لواجباته قبل أن يمنح مساحة للحديث عن مشاعره ورغباته. وبالرغم ما عكست تلك المرحلة أحيانا نوعا من الصرامة على التربية ،فانها أسهمت في بناء أجيال اتسمت بالصبر وتحمل المسؤولية، لكنها في المقابل أغفلت الى حد كبير الجانب النفسي والعاطفي للإنسان.
ومع التحولات الفكرية والإجتماعية التي شهدها العالم
ظهرت مفاهيم أخرى تنادي بالتربية الحديثة بوصفها ردة فعل على الأساليب التقليدية المعقدة، وذلك تأكيدا على ضرورة الإحتواء النفسي ، وأحتراما لشخصية الطفل، ومنحه مساحة للتعبير عن ذاته واحتياجاته النفسية والعاطفية.
لكن هذه الحرية في بعض تطبيقاتها تحولت من كونها مساحة للتربية الواعية إلى غياب للحدود ،فاصبح التعبير بلا ضوابط، والاختيار بلا توجيه ،مما أضعف تدريجياً مفهوم الانضباط وقلل من قدرة بعض الأفراد على تقبل الرفض أو تحمل المسؤولية ،حين تفرضها الحياة لاحقاً.
الجدير بالذكر اوضحت (الدكتورة ماريا مونتيسورى) التي تعد من أوائل النساء اللاتى درسن الطب فى إيطاليا، بأن منهج التربية والتعليم يعتمد على تنمية استقلالية الطفل واحترام شخصيته وقدراته.ليصبح الشخص سليم نفسياً وفكرياً.
في الوقت نفسه نلحظ في عصرنا الراهن أن الأسرة لم تعد وحدها تمثل المصدر الاول والأهم في بناء شخصية الأبناء وتوجيه أفكارهم.
بعدما انفتح الوعي الإنساني على فضاء واسع من المؤثرات المتداخلة التي تتقاطع فيه وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لتصبح جميعها شريكا مباشراً في بناء الفكر وتوجيه السلوك وصياغة المفاهيم الأولى عن الذات وفق معايير سريعة ومتقلبة.
حيث أصبح المراهق يعيش صداما حقيقياً بين ما نشأ عليه من مبادئ وسلوكيات وبين عالم افتراضي متسارع يحاول جذبه وإعادة تشكيل قناعاته ،فيجد نفسه معلقاً بين هوية ورثها واخرى يعاد تشكيلها أمامه كل يوم ،حتى بات التردد جزءا من تكوينه ،بل وأصبح التمرد من سمات مرحلته.
وفقا لما تقدم ومع هذا التحول العميق في مفاهيم التربية وتشكيل الوعي يذهب البعض إلى اتهام التنمية البشرية
بانها تدعو الى الأنانية والانغلاق ، غير أن هذا التصور لا يتجاوز كونه قراءه سطحيه بعيدة عن جوهرها الحقيقي .
من هذا المنطلق فأن التنمية البشرية ليست مجرد كلمات عابرة وإنما محاولة عميقة لإعادة تشكيل وعي الإنسان من الداخل، وإدراك ذاته بصورة أكثرنضجا وإتزانا، وتصحيح زاوية النظر، حتى لا يبقى أسيرا لندوب تجاربه السابقة، ولا سجيناً للافكار التي اضعفته يوما.
وتجدر الإشارة الى ان الكاتب الأمريكي (ديل كارنيجي ) والذي يعد من أبرز رواد مجال التنمية البشرية الحديثة، قد أشار في كتابه كيف تكسب الأصدقاء، بأن النقد أمر سهل يقدر عليه أي شخص، أما الفهم والتسامح فلا يتأتى إلا لشخصية قوية وناضجة.”
أما الكاتب الأمريكي (ستيفن كوفي) فقد أوضح في كتابه (العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية) بأن الإنسان لا يستطيع تغيير ثمار حياته دون ان يغير جذور تفكيره أولا ،هى المبادئ التي يبني عليها قراراته.
وتأسيسا لما تقدم، فإن التربية الحقيقية ليست قسوة تطفئ الروح ولا هي الحرية التي تفسد الحدود، وإنما تناغم بين العقل والقلب ينشئ إنساناً يعرف كيف يكون حراً بلا فوضى ،قوياً دون أن يفقد إنسانيته.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.