مقالات دينية

وِلادة الله في الإنسان والإنسان في الله 

وِلادة الله في الإنسان والإنسان في الله 

بقلم / وردا إسحاق قلّو

خلق الله الإنسان ليسبحه ويكرمه ويخدمه ، لكن الإنسان سرعان ما وقع في الخطيئة ، فالخطيئة صارت حاجزاً بين الخالق وعبده . فالإنسان الخاطىء مدعوا إلى ولادة جديدة وعبور ثان،وإلى علاقة جديدة مع الله . كما إنه مدعو إلى الآلوهة . وتلك الآلوهة لا يستطيع الإنسان بلوغها بقدراته الذاتية دون أن يتدخل الله لكي يعيد تلك العلاقة كهبة مجانية بدافع حبه اللامحدود للإنسان لكي ينال الخلاص بعد أن يوفي العدل الإلهي على الصليبر. نَظَرَ الأقانيم الثلاثة في عرش الله إلى وجه الأرض الغاصة ببني البشر ، فرآهم في حالة البؤس ومصيرهم الأبدي هو الهلاك فقرر الثالوث في أزليته تأنس الكلمة الإله وإتخذ جسماً لكي يتمكن أن يموت ليقضي على سلطة الموت ، أي الإبليس ( طالع عب 14:2 ) ولكي يخلص بني البشر ، فحدد الله الثالوث وقتاً في ملء الزمان الذي فيه سيرسل الملاك جبرائيل إلى مريم في الناصرة ليتجسد فيها الإله ، ففي ذلك اليوم تكلمت مريم وقالت للسماء ( ها أنا أمة الرب ) وبكل تواضع . وبموافقتها تمت خطة الله في الإنسان فتجسد في أحشائها الطفل الإلهي فتبدل وجه الأرض ، وصار للإنسان أملاً بعد حضور كلمة الله بين البشر وهكذا تجسد الله في الإنسان لكي يولد ويتخذ منه جسداً بشرياً ، وهكذا حصل شرف للإنسان لكي يولد خالقه . نقول ، هل يسوع تجسد في العذراء مريم فقط أم في كل مؤمن ؟ في يوم العنصرة ، عندما حل الله على شكل السنة من نار على كل الموجودين في العلية ، فالطبيعة الإلهية إتحدت بالطبيعة البشرية . إنها صورة تجسد المسيح في العذراء . فما حدث في يوم العنصرة هو تمام ما حدث في يوم تجسد المسيح وميلاده . فولدت في ذلك اليوم الكنيسة المقدسة أتحدت العذراء أو الكنيسة بأجمعها بالطبيعة الإلهية ، فغاية التجسد قد بلغت ذروتها يوم الخمسين ، لأن كل أبناء الكنيسة صاروا في المسيح الإله لما لهُ من صِفات الإلهية التي لا يمكن أن يحصل عليها الإنسان ، لأن كل ما يمتلك المسيح لا يسعه الكون كله ، ولا يستطيع الإنسان تحمله بطبيعته البشرية. يقول الرسول بولس ( فإنه فيه ” أي المسيح ” جسدياً ، يحل الله بكل ملئه ، وأنتم مكملون فيه … ) ” قول 2: 9-10 ” . 

   بقي الإله المتجسد في الخفاء ثلاثون سنة ، أي إلى يوم إعلانه لسر ملكوت الله . كل شىء حدث في الصمت ، في الفقر المدقع ، وهذا السر ليس حدث وقع في الماضي فحسب ، بل يبقى لكل منا حقيقة راهنة ، فكلما نتقدم من الأسرار المقدسة ، تصبح هذه الحقيقة واقعية لنا لكي يتجسد الإله فينا . فسر التجسد يستمر في عالم اليوم والغد . فميلاد المسيح هو سر ولادة الله بين البشر . والعكس صحيح لأنه هو سر ولادتنا المستمرة لحياة الله . إذاً ولادة المسيح في عالمنا يقابله ولادة المسيحي في المسيح وفي الكنيسة المقدسة ، وهذا يحتاج إلى إيمان وصليب للتضحية كما ضحّى المسيح من أجلنا منذ ولادته . فسّرَي الميلاد والفداء سّران متماسكان ومرتبطتان معاً ، فعلينا أن نجد الصليب بوضوح في سّر الميلاد ، فالمسيح الذي ولد بكل تواضع في مذود الحيوانات ، في البرد ، والجوع ، والعطش ، والعوز ، والإهانة ، ومن ثم المطاردة لقتله من قبل هيرودس الملك ، فكل ذلك كان من أجل خلاصنا ، هكذا نرى المسافة قصيرة بين المذود والجلجلة منذ ليلة الميلاد . فالمولود الإله لم يأتي إلى عالمنا إلا ليتألم ويموت من أجلنا ، ونحن من أجله ، لأننا متنا معه بسبب إيماننا به في ماء المعمودية ، وهو مات بنا ، وأخيراً نحن مائتون وقائمون فيه ، إنه أكمل موتنا بموته ، وقيامتنا بقيامته ، وقيامته هي القوة التي سترفعنا من هذا العالم إلى عالمه الأبدي الغير المنظور لندخل معه في اللازمن وفي الأزل . فكما نزل مار يوسف ومريم التي كانت تحمل الطفل الإلهي في أحشائها من الناصرة إلى بيت لحم ، ، ومن ثم أخذ المسيح طريقه بالصعود في طريق الآلام للوصول إلى الصليب ، ومن الصليب نحو السماء حيث طريق العودة إلى الآب ، علينا أن نفهم العلاقة بين سري التجسد والفداء ، فحدث التجسد لم ينتهي بموت المسيح ، بل نجد فيه إتمام غاية التجسد . وهكذا يجب أن نقتدي بالرب يسوع ونسير على خطاه في ذات الطريق ما دام هو الأقصر إلى المدينة السماوية ، والمطلوب منا التبشير بأسمه ، وبذل ما بوسعنا من جهد لكي لا نصعد لوحدنا بل معنا الكثيرين بعد أن نمهد الطريق لهم لفهم هذا السّر العظيم ليؤمنوا به ولكي يحضروا في سر الميلاد حضوراً فاعلاً مبنياً على أساس الفهم والإيمان بحدث تجسد الإله العظيم ، والعالم كله يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن يعرف ويؤمن بالمسيح الذي تجسد من أجله ومن أجل جميع البشر لكي يشمل الخلاص للجميع بيسوع الرب. 

ولإلهنا المتجسد ، المجد والتسبيح إلى أبد الآبدين . 

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x