هل يضع الرئيس التونسي شعبيته في ميزان الإصلاحات الموجعة؟

سيكون على الرئيس التونسي قيس سعيد أن يضعه شعبيته في ميزان الإصلاحات الاقتصادية التي أصبحت حاجة ضرورة وملحة وغير قابلة للتأجيل، وأن يبذل تضحيات مهمة في هذا الصعيد، حيث أن الإصلاحات عادة ما تأكل من رصيد قائدها، وتجعل نسبة الموالاة لسياساته تهترئ، ربما لذلك لا يقبل على إقرارها وتنفيذها سوى أصحاب المشاريع الكبرى التي تحتمل التضحية في سبيلها بكل شيء، بما في ذلك بالتطلعات السياسية للمراحل القادمة.

سيكون على قيس سعيد، أن يستغل رصيده الشعبي الواسع، وثقة التونسيين في ذمته المالية والإدارية ونظافة يده، في تنفيذ خطة الإصلاحات الموجعة التي تحتاج إليها البلاد، والتي لم يستطع أيّ مسؤول سياسي الإقدام عليها ليس فقط خلال السنوات العشر الماضية، وإنما قبل ذلك بكثير، حيث أدت خشية السلطات من الغضب الشعبي الجارف في أغلب الأحيان إلى الاكتفاء بالحلول الترقيعية التي لم تحقق أيّ نتائج إيجابية تذكر على أرض الواقع، وفي العقد الماضي، دفعت تجاذبات السياسيين حول أصوات الناخبين إلى تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية في البلاد، وذلك بإيصال الأداء الحكومي إلى درجة العبث، وتحويل المالية العمومية إلى غنيمة يتم توزيعها لإرضاء القواعد الشعبية، وخاصة من حيث التوظيف غير المنتج لعشرات الآلاف من العمال.

قبل أيام، قال ممثل صندوق النقد الدولي في تونس جيروم فاشيه إن البلاد مطالبة بتنفيذ إصلاحات عميقة جدا ولاسيما خفض حجم الموارد البشرية الحكومية الذي يبلغ “أحد أعلى المستويات في العالم “، ويمنع الدولة من زيادة النفقات المستقبلية واستثماراته ونفقات التربية والصحة والاستثمارات، إذ أن تونس تدفع 16 في المئة من إجمالي الناتج المحلي لموظفي القطاع العام، حيث تستحوذ رواتب الموظفين الرسميين البالغ عددهم 650 ألفا على أكثر من نصف نفقات الدولة السنوية، دون احتساب السلطات المحلية والشركات العامة، وهذا أمر متوارث.

في العام 2012 دعت رئيسة الصندوق كريستين لاغارد المسؤولين الحكوميين إلى ضرورة العمل على تخفيض حجم الرواتب الذي كان آنذاك لا يتجاوز 12 في المئة من الناتج المحلي، والذي ارتفع لاحقا بشكل غير مسبوق، حيث طالما عملت السلط التونسية على حل مشاكل الاحتقان الاجتماعي والاحتجاجات الفئوية والمناطقية والقطاعية بالمزيد من التوظيف في القطاع العام، وهو ما جعل من المالية العامة أداة لترضية المحتجين وكسب ود الغاضبين وتوفير رواتب للفقراء والمحتاجين والعاطلين الذين أطلق عليهم بعد 2011 لقب المعطّلين عن العمل بمعنى وقوع فعل الفاعل عليهم بما يسبغ عليهم صفة المظلومية، وتقديمهم في صورة الضحايا، وبالتالي فلا حل للدولة إلا أن توفر لهم الوظائف التي عادة ما تكون في أطر هشة، إلى حد أن البعض تم توظيفهم وتخصيص رواتب مجزية لهم دون أن يضطروا إلى الذهاب للعمل.

وتبين في بعض الحالات أن هناك من يجنون رواتب في تونس وهم مقيمون في الخارج، فيما تأكد أن الآلاف من الأشخاص تم توظيفهم بمؤهلات علمية مزوّرة، وعشرات الآلاف تقرر توظيفهم لأهداف سياسية وفق مخرجات قانون العفو العام للعام 2011 حيث تم الدفع بالإسلاميين والمتورطين في الإرهاب طيلة عقود إلى القطاع العام دون التأكد من مؤهلاتهم أو من استعداداتهم النفسية والذهنية والعلمية والمعرفية، وهذا كله زاد من حجم الأزمة التي تعرفها تونس اليوم، فيما نسي المسؤولون الحكوميون أن الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بنظام بن علي قبل 11 عاما، لم تكن من أجل الديمقراطية ولا التعددية ولا الشعارات السياسية التي ترفعها المعارضة الدينية واليسارية ولكن من أجل توفير الوظائف وتحقيق التنمية العادلة في الجهات.

وبحسب فاشيه، فإن تونس عرفت بسبب جائحة كوفيد – 19 أكبر ركود اقتصادي منذ استقلالها في العام 1956، إلا أن مشكلات البلاد كانت سابقة للجائحة، ولاسيما العجز في الميزانية والدين العام، الذي بلغ حوالي 100 في المئة من إجمالي الناتج المحلي نهاية العام 2021، وبعد انهيار إجمالي الناتج المحلي بنحو 9 في المئة في عام 2020 عاد النمو ليسجل أكثر من 3 في المئة بقليل عام 2021، ومن المتوقع أن تكون النسبة نفسها خلال سنة 2022، وهو ما يعني أن مستوى النمو يبقى ضعيفا وغير كافٍ بشكل كبير لاستيعاب معدّل البطالة الذي يتجاوز 18 في المئة والمرتفع خاصّة في صفوف أصحاب المؤهلات العلمية الجامعية.

ولعل الرئيس التونسي أدرك حقيقة مجريات ما يدور في بلاده من دوافع جدية للإصلاح، وخاصة عندما قرر عدم تفعيل القانون 38 الذي كان البرلمان قد صدّق عليه بتاريخ التاسع والعشرين من يوليو 2020 بأغلبية 159 نائبا كفصل إضافي في مشروع قانون المالية لسنة 2021 يقضي بتخصيص اعتمادات لتمويل توظيف 10 آلاف عاطل عن العمل من أصحاب المؤهلات الجامعية ممن بلغت فترة بطالتهم 10 سنوات، والذي قامت حركة النهضة وحلفاؤها بتمريره لأهداف سياسية ودون وعي بمردود التوظيف العشوائي على الوضع المالي ​والاقتصادي، وكذلك على علاقة تونس بالمانحين الدوليين وفي مقدمتهم صندوق النقد الدولي.

سيكون على الحكومة التونسية أن تتوصل خلال الشهرين القادمين إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي للدخول في حزمة إصلاحاتها الموجعة، وللحصول على ما لا يقل عن أربع مليارات دولار لتجاوز أزمتها الحالية ولو إلى حين. علما وأن هذا الاتفاق وحده الذي سيكفل لها إمكانية فتح جسور التواصل من جديد مع المانحين العرب والأجانب الذين يدعون السلطات في تونس إلى إجراء سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الموثوقة التي من شأنها أن تقلل الدعم وفاتورة رواتب القطاع العام وإصلاح مؤسسات الدولة الخاسرة، وبالتالي الحد من العجز والديون. وتتضمن لائحة الإصلاحات تخفيض كتلة الرواتب، والتوقف عن الانتدابات في الوظائف الحكومية، وخفض مستويات الدعم على السلع الأساسية، وإصلاح القطاع العام، ومؤسساته العاملة في مجالات مختلفة كالاتصالات والكهرباء ومياه الشرب والنقل الجوي والبري والتي تتمتع في غالب الأحيان بالاحتكار وتوظف ما لا يقلّ عن 150 ألف شخص، وفق التقارير المالية الدولية.

من أسباب الدعم الدولي للتدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في الخامس والعشرين من يوليو الماضي وأردفها بإجراءات الثاني والعشرين من سبتمبر، أن قوى مؤثرة في واشنطن والعواصم الأوروبية ترى أنه الوحيد الذي يبدو حاليا قادرا على تنفيذ إصلاحات اقتصادية جدية تنقذ البلاد من شفا الانهيار الشامل، وذلك بالاعتماد على شعبيته الجارفة التي تجاوزت 80 في المئة، كما أنه يستطيع التحدي بالتوجه نحو الإصلاح في إطار مشروع وطني غير قابل للمساومات السياسية ولا خاضع لمشاريع التمكين، وهو ما فعله قبله الرئيس المصري عبدالفتاح السياسي الذي قاد إصلاحات حقيقية بدأت تؤتي أكلها بشهادة كل المراقبين الدوليين.

يبقى السؤال: كيف سيتعامل قيس سعيد مع الأطراف التي ستحاول استغلال أيّ حالة احتقان شعبي تفرزها تلك الإصلاحات لخدمة أهدافها في مواجهة التدابير الاستثنائية؟ هذا الأمر سيحتاج إلى مصارحة الشعب بكل التفاصيل والرئيس قادر على ذلك، ويحتاج إلى توافقات مع مختلف القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة، وكذلك إلى قبضة حديدية في التصدي للمحاولات التخريبية وللمؤامرات التي قد يقودها المتضررون من حركة التصحيح السياسي والإصلاح الاقتصادي.

نقلا عن العرب

جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

 

الكاتب

الحبيب الأسود

عنوان المقال

هل يضع الرئيس التونسي شعبيته في ميزان الإصلاحات الموجعة؟

نقلا عن العربية نت

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.