مقالات

نظريات المؤامرة ضد الطب الحديث عندما يق*ت*ل الناس الجهل باسم

“نظريات المؤامرة ضد الطب الحديث
عندما يق*ت*ل الناس الجهل باسم هذه الأفكار
..
نحن نعيش في عصر يملك فيه الجاهل منصة، ويتحول فيه “الخبر” والشائعة إلى بديل عن المختبر والمستشفى. في الوقت الذي يحتفل فيه العالم المتقدم بإعلان خلوّه من أمراض كانت تحصد الملايين، لا تزال بعض شعوبنا تتخبط في مستنقع أوبئة منقرضة تاريخياً، ليس لقلة الإمكانيات دائماً، بل بسبب تدهور الوعي الصحي، وعلى رأسه هوس نظرية المؤامرة والعداء غير العلمي للمنجزات الطبية الحديثة.
.
لو طُلِب من كل شخص منا اليوم أن يعود بشجرة عائلته إلى الوراء، وتحديداً إلى الجد الرابع أو الخامس، للاحظ حقيقة ديموغرافية واضحة: أغلب أجدادنا لم يكن لديهم سوى أخ أو اثنين على الأكثر ممن نجوا حتى سن البلوغ.
هذا التناقص العددي الحاد في الماضي هو النتيجة الطبيعية لارتفاع معدلات الهلاك الطفولي قبل عصر الطب الحديث؛ حيث كانت الأوبئة تصفي الأفراد بناءً على شروط بيئية وجسدية قاسية، فلا ينجو إلا من امتلك ظروفاً بيئية أو توليفة جينية سمحت له بالوصول لسن التكاثر ونقل جيناته. خلف كل سلالة مستقرة اليوم، هناك جيوش من الأطفال الذين غادروا الدنيا في سنوات عمرهم الأولى. بل إنك لو سألت جيل آبائنا اليوم: “هل عاصرت جدك؟”، لجاءت الإجابة في كثير من الأحيان بـ “لا”، لأن الأمراض كانت تختطف الإنسان في منتصف عمره نتيجة غياب الرعاية الصحية.
اليوم، نرى انفجاراً سكانياً وشوارع ممتدّة وأجيالاً تتلوها أجيال، ونتعامل مع هذا الأمر وكأنه طبيعة كونية مستمرة منذ الأزل. لكن الحقيقة الحرفية هي أن التغير الجذري في الظروف المحيطة بالإنسان بفضل المستشفيات والطب الحديث هو الذي رفع احتمالية النجاة والبقاء بعد أن كان الموت المبكر هو الاحتمال الأكبر إحصائياً.
.
صناعة الموت بالامتناع عن الل*قا*حات:
مع ظهور المضادات الحيوية والل*قا*حات، تحولت أمراض مثل الدفتيريا (الخناق)، والحصبة، وال*جدر*ي، من أحكام بالإعدام المؤجل إلى مجرد وعكات صحية عابرة تُحل بجرعة دواء. غير أن ندرة حالات الوفاة بهذه الأمراض في العصر الحالي أنتجت أثراً عكسياً خطيراً؛ إذ جعلت البعض ينسى شراستها التاريخية، ويبدأ في التشكيك بالطب ومؤسساته.
أصبح من المألوف اليوم سماع من يروج بجهل مركّب ضد الل*قا*حات، معتبراً إياها “مؤامرة” أو “تجارة شركات”. والنتيجة الحتمية لتوفر هذه الشروط الموضوعية (غياب التحصين) هي عودة مرعبة لأمراض منقرضة منذ زمن . إن غياب الل*قا*حات يعيد خلق البيئة المثالية التي تسمح للف*يرو*س أو البكتيريا بالانتقال والتكاثر؛ فالطبيعة لا تجامل أحداً، بل تتبع القوانين الحتمية للمرض والعدوى. والامتناع عن تطعيم الأطفال ليس “وجهة نظر”، بل هو تفخيخ للمجتمع بأكمله عبر كسر جدار الحماية الجماعية.
.
“البيارات” والصرف الصحي: كيف حُرمت الطفيليات من البقاء؟
الحضارة الحديثة ليست مجرد أجهزة إلكترونية، بل هي منظومة متكاملة من تعديل الظروف البيئية لصالح الإنسان. خذ مثلاً “الكوليرا” أو الطفيليات المعوية مثل ديدان “الأسكارس” والديدان الشريطية. كيف اختفت هذه الكوابيس بشكل كبير بينما عندما تسمع حكايات الاجداد ستصاب بالدهشة من تلك الثعابين والديدان التي كانت تملأ الامعاء بل وترى بوضوح كخيوط متشابكه تخرج عند عملية التبرز خصوصاً الاطفال قديما ؟
لم تختفِ بتبدّل سحري، بل لأن تغيير البيئة عبر شبكات الصرف الصحي، وصيانة “البيارات”، والاهتمام بالنظافة العامة، قطع دورة الحياة الإجبارية لهذه الطفيليات وحرمها من شروط بقائها وتكاثرها؛ فلم تعد تجد طريقاً للوصول إلى مياه الشرب والطعام. عندما يأتي اليوم من يستخف بمتطلبات النظافة العامة أو يهمل التوجيهات الصحية، فهو يعيد مجتمعه حرفياً إلى بيئة العصور المظلمة حيث كانت الأمعاء البشريّة مستعمرات حيوية للديدان والأوبئة الفتاكة. بل ان هذا يحصل في الشعوب المتخلفة مثل مرض الكوليرا الذي لم تعد تسمع عنه سوى في اليمن وما يشبهها من دول غارقة في الجهل وغير مهتمة بمجال الصرف الصحي خصوصا في القرى ولو ان الامر حاليا اقل بكثير لان جزء من الناس يحترمون التطور والوعي الصحي الثقافي العالمي لكن يبقى عدة اشخاص غارقين في الجهل والأهمال فيسببون بؤرة لتفشي المرض من جديد من عندهم ..

من الخرافات الموجودة
خرافة “ولادة الوادي” وحمى النفاس
من أكثر المقارنات السطحية تداولاً هي قولهم: “كانت المرأة في الماضي تولد في الوادي وتعود لممارسة عملها فوراً، والطب الحديث اليوم يبالغ عندما يقرر عملية قيصرية!”
هذا المنطق الانتقائي يغفل عمداً الجانب المظلم والمأساوي من الحقيقة؛ فالطبيعة لا ترحم. نعم، كانت هناك نساء يولدن في الوادي وينجون، لكن في المقابل، كم امرأة ماتت في ذلك الوادي نفسه بسبب ولادة متعسرة؟ كم طفل اختنق ومات قبل أن يرى النور؟ كم زوجة قضى عليها نزيف حاد، أو فتك بها مرض “حمى النفاس” (تسمم الدم الناتج عن غياب التعقيم والنظافة الطبية)؟
لقد كانت المقابر تُفرش بضحايا الولادات التقليدية. والعمليات القيصرية والطب النسائي الحديث لم يأتوا كـ “مؤامرة استثمارية”، بل كاستجابة علمية لإنقاذ أرواح آلاف الأمهات اللواتي كنّ يمتن بصمت وبشكل فاجع تحت مظلة الوعي البدائي وظروف البيئة القاسية.
خاتمة: العلم واحد لا يتجزأ
إن الطب الحديث ليس ترفاً، والالتزام بالتوجيهات الصحية ليس خياراً خاضعاً للنقاش في المجالس أو وسائل التواصل. سواء كان المستشفى في اليمن أو في الصين، فإن المنظومة الطبية قائمة على علم تجريبي حاسم غيّر ظروف البقاء لصالح الجنس البشري. وفي اليمن يدرس الطبيب نفس ما يدرسه الطبيب الاجنبي مثلا ولكنه يعاني بسبب جهل المجتمع الذي لا يريد ان يتعالج اساسا ..صحيح ان هناك امراض تتطلب رعاية في دول متقدمة ليست موجودة في البلدان المتدهورة اقتصاديا لكن ما يغيضك ويفقع مرارتك هي الامراض التي اصبح احتواءها بسيط جدا حتى في الدول الفقيرة والتي اصبحت من الماضي في كل الأمم وحتى في الدول الفقيرة يستطيع بكل كفاءة الطبيب المحلي علاجها واحتوائها باقل التكاليف والوسائل ولكن يبقى المجتمع الاهبل والمهووس بالخرافة في مستنقع تلك الأمراض بسبب تصرفات ذلك المجتمع وليس بسبب سؤء كفاءة الأطباء ومراكز الرعاية الصحية في بلده ولو كان فقير وقس على ذلك خزعبلات مثل نظام الحماريات تبع ضياء العوضي وانكار مرض السكري او ترك استخدام الانسولين .. وبعد ان يموت هؤلاء او يفقدون النظر احيانا او بعض وضائف أخرى يقول لك الاطباء في بلدنا نصابين بينما هو لم يلتزم بتعليمات الاطباء واتبع دفافين العربيات في سوق الخضار،، ثم تاتي للطبيب وانت قد دمرت كل أمل أمام الطبيب فهنا ايش يعمل لأمك الطبيب هذا يكون باليمن ولا باليابان ..
التخلف الحقيقي ليس في قلة المال، بل في مجتمعات ترفض الل*قا*ح، وتهمل النظافة، وتستبدل نصيحة الطبيب المختص بـ “شائعات” واهية. من يحارب الطب والل*قا*حات اليوم لا يحارب الغرب ولا يحارب شركات الأدوية، إنه يحارب شروط بقاء أطفاله على قيد الحياة في بيئة لا ترحم الضعفاء أو المتخلّفين عن مواكبة العلم.

….
..
تحياتي:
أ/ محسن عزالدين البكري

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى