مقالات

طبيعة اتفاق التحكيم – زيد نائل العدوان

احتل التحكيم مكانة مهمةً في المؤلفات القانونية كتخصص قانوني يُدرَس ويتم تحليله بشكل مفصل، بحيث كان التحكيم منذ القدم وحتى الآن من أهم الوسائل التي يمكن من خلالها الفصل في النزاعات المختلفة؛ خصوصًا النزاعات المدنية والتجارية، وقد أعطى الفقهاء القانونيون (أي المفكرون القانونيون) الكثير من جهودهم لإبراز هذا التخصص وتوضيحه للآخرين، ولوضع نظام يحدد هذا التخصص ويحكم القواعد الناظمة له.
ولكن، ومع أهمية هذا التخصص، إلا أنه قد ثار به الكثير من القضايا والمشاكل التي اختلف آراء القانونيين حولها، والتي تباين فيها الاجتهاد القانوني وتنوع، فمن هذه المسائل مسألة طبيعة اتفاق التحكيم، والتي يرى الكثير أنها مسألة خلافية بحق، إذ يرى البعض أن التحكيم له طبيعة عقدية، وآخرون يرون أن له طبيعة قضائية، وبينما آخرين يرون أن له طبيعة مختلطة بين الاثنين، وفريق أخير يرى أن له طبيعة مستقلة عن كل ما سبق ذكره، وأنا في هذا المقال سأقوم بتوضيح هذه الطبائع كلها، وسأقوم بعرض حجج كل فريق فيما يخص كل طبع.
فبداية، لو عرجنا على الطبيعة العقدية لاتفاق التحكيم؛ لقلنا أن معنى هذه الطبيعة هو أن التحكيم يُعتَبر عقد واتفاق بين طرفين، يحكمه مبدأ (العقد شريعة المتعاقدين)؛ بحيث أن الأطراف يخضعون لهذا العقد ويضعون فيه ما يريدونه من شروط وأحكام تُطبَق عند حدوث النزاع؛ بحيث يخضع التحكيم للشروط والأحكام القانونية الناظمة للعقود باعتباره عقدًا بين طرفين.
ومن أبرز الحجج التي ساقها أنصار هذا الاتجاه هو أن التحكيم عبارة عن عقد بحد ذاته، إذ يأتي طرفين ويتفقان على ضرورة إبرام عقد يحيلان به أي نزاع ينشأ إلى محكم/ هيئة تحكيم معينة، فبالتالي وبسبب ذلك فإن التحكيم مطلقًا عقد، وحتى عمل المحكم الذي يعتبره البعض عملًا قضائيًا يُعتَبر بنظر أصحاب هذا الاتجاه عملًا عقديًا؛ أي أنه يستمد صلاحياته من العقد، وبالتالي فالتحكيم عبارة عن عقد.
وهذا الاتجاه الذي يرى أن التحكيم عبارة عن عقد، يُعتَبر الاتجاه الغالب في بعض كتب الفقه القانوني المصري، كما يُعتَبر الاتجاه الغالب في محكمة النقض الفرنسية؛ إذ حكمت في إحدى أحكامها أن التحكيم يتشابه مع العقد؛ مما يعني أنها تعترف بالطبيعة العقدية للتحكيم
ويوجد اتجاه آخر يقول بأن طبيعة التحكيم عبارة عن طبيعة قضائية؛ بمعنى أن التحكيم يتشابه مع القضاء بمسألة طبيعة عمل المحكم؛ لذلك فهو ذو طبيعة قضائية كما سلف، والحجة الأبرز التي يوردها أصحاب هذا الاتجاه هو أن عمل المحكم هو الفصل بين المتخاصمين، وهذه وظيفة يقوم بها القاضي، وبالتالي فإن المحكم يلعب دورًا قضائيًا، إذًا التحكيم لا بد من أنه قضائي.
وهنالك فقهاء قانونيون آخرين يقولون أن التحكيم مختلط؛ أي أن طبيعته عقدية وقضائية، فمن ناحية أن الأطراف -أي أطراف النزاع- يتفقان على اللجوء للتحكيم من خلال العقد فهو ذو طبيعة عقدية، ومن ناحية أن المحكم يقوم بوظيفة قضائية فهو ذو طبيعة قضائية.
ويوجد فقهاء قانونيين آخرين، يرى أن التحكيم ذو طبيعة خاصة، وليس ذو طبيعة عقدية أو طبيعة قضائية، وأنه لا ينبغي الزج بالتحكيم في أنظمة قانونية لا تشبهه البتة.
ولكن، لو أتيتُ لرأيي الخاص، لرأيت أن التحكيم ليس ذو طبيعة قضائية، بل هو أقرب ما يكون للطبيعة العقدية، ذلك أن كل مسألة فيه يحددها الطرفين المتخاصمين من خلال الاتفاق، وذلك تفصيله التالي:
1. المحكم في العملية التحكيمية يستمد صلاحياته من العقد؛ وبالتالي يلعب العقد دورًا في صلاحيات المحكم.
2. المحكم في العملية التحكيمية ممكن أن يُعزَل من قبل الأطراف؛ أي باتفاقهم ومن خلال عقد بينهم.
3. المحكم يحدد إجراءات العملية التحكيمية من خلال القانون الذي اختاره الأطراف في عقد التحكيم؛ فإن اختاروا القانون الروماني مثلًا كقانون واجب التطبيق، فإن إجراءات هذا القانون هي ما تُطبَق.
4. القانون الواجب التطبيق يحدده الأطراف من خلال الاتفاق وعقد التحكيم.
5. ثم أن هيئة التحكيم أو المحكم تأخذ أتعابًا من الأطراف، والذين استندوا للعقد في التحكيم؛ على عكس القاضي الذي يأخذ مستحقاته من خزينة الدولة.
6. ثم أن المحكم، يُعيَن من خلال الأطراف من خلال العقد التحكيمي، وهذا في حد يكشف لنا عن أهمية العقد في التحكيم.
7. أيضًا، ليس للمحكم القدرة على فرض غرامات على الأطراف المتنازعة، على عكس القاضي الذي يملك ذلك.
وبالتالي، أرى أن العقد يلعب دورًا كبيرًا ومهمًا في العقد التحكيمي، وبالتالي أرى أن طبيعة التحكيم هي طبيعة عقدية بامتياز، ومهما يكن، فإن هذه الخلافات هي خلافات نظرية فقهية ليس لها مكان كبير في التطبيق العملي على أرض الواقع، ما يهم فعليًا في التحكيم هو مهارة المحكم وقدرته على تقريب الآراء المتخالفة وإعطاء حكم قانوني موزون ومسبب ومنطقي يرتضيه الأطراف جميعًا.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى