آراء متنوعة

رقمنة الجسد قبل العواطف

رقمنة الجسد قبل العواطف

كاميرا المراقبة أصبحت هوائيّا يذوب في المعدة
كنت أظن أن جهلي بالأدوية نوع من العصيان الصغير. أن أرفض حفظ أسماء العقاقير، وأن أتعامل مع الوصفة الطبية كشيء عابر، لا كقدر يومي، كان يبدو لي شكلاً من أشكال الدفاع عن حرية الجسد. كنت أقول لنفسي: ما دمت لا أعرف، فلن أُستدرج إلى حياة تُدار بالأقراص والمواعيد والجرعات. اليوم، وأنا أقترب من منتصف الستين، أكتشف أن هذا الجهل لم يكن بطولة، لكنه كان على الأقل مساحة داخلية أتوهم أنها تخصني وحدي. مساحة لا يعرفها أحد، ولا تقيسها آلة، ولا تسجلها منصة.

الآن، مع حبة دواء تعرف متى ابتلعتها، وتُرسل إشارة إلى جهة خارجية لتؤكد ذلك، يبدو أن تلك المساحة نفسها مهددة بالاختفاء. لم يعد السؤال هل أتناول الدواء أم أرفضه؟ بل صار من يملك حق معرفة أنني تناولته؟ ومن يملك حق تسجيل هذه اللحظة، وتحويلها إلى معلومة، وإدخالها في نظام لا أعرف حدوده ولا نهاياته؟

الحبة الذكية التي ابتكرها علماء معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ليست مجرد اختراع طبي. هي علامة على تحوّل أعمق، تحوّل الجسد من كيان خاص إلى واجهة بيانات. كبسولة صغيرة تذوب في الداخل، تطلق هوائيّا من الزنك، يفعّل إشارة تردد لاسلكي، تُلتقط عبر رقعة قابلة للارتداء، وتُرسل إلى “الجهة المعنية”.

في الظاهر، نحن أمام حل أنيق لمشكلة مزمنة، المرضى الذين لا يلتزمون بالعلاج. في العمق، نحن أمام خطوة جديدة في مشروع أكبر، رقمنة الجسد، وتحويل ما كان يوما “داخل الإنسان” إلى ملكية مشاعة للآخرين.

التحول هنا ليس تقنيا فقط، بل أخلاقي وسياسي وفلسفي. حين تصبح لحظة ابتلاع حبة دواء حدثا مسجلا، فإن ما يتغير ليس فقط علاقة المريض بالطبيب، بل علاقة الإنسان بذاته. لم يعد الجسد سرا، ولا حتى موضوعا للتأمل الشخصي، بل أصبح ملفا مفتوحا، يُحدَّث تلقائيا، وتُضاف إليه “وقائع” لا يملك صاحب الجسد التحكم في مصيرها. ما كان في الماضي اعترافا طوعيا للطبيب، صار الآن إشارة تلقائية لا تحتاج إلى كلام.

عالم الأخلاقيات الحيوية في جامعة سيتي سانت جورج بلندن، ريتشارد آش كروفت محق حين يقول إن هذه العلاجات الرقمية تعزز فكرة أن “الخطأ دائما في المريض”. فحين لا تُسجَّل إشارة الابتلاع، يصبح التقصير فرديا، لا نظاميا. لا أحد يسأل عن ضغط العمل، أو الفقر، أو الاكتئاب، أو سوء التواصل مع الطبيب، أو الآثار الجانبية التي يخشاها المريض. كل شيء يُختزل إلى سؤال واحد: لماذا لم تبتلع الحبة؟

التكنولوجيا هنا لا تُصلح النظام الصحي، بل تُضيف طبقة مراقبة فوقه، وتحوّل المريض إلى متهم محتمل، يحتاج دائما إلى إثبات براءته عبر إشارة لاسلكية.

ربما سيأتي يوم لا تكتفي فيه الحبة بإرسال إشارة عن ابتلاعها، بل تقيس أيضا مزاجنا، وقلقنا، ودرجة حزننا، وتُرسل تقريرا عن “حالتنا العاطفية” إلى جهة ما. عندها لن يكون الجسد وحده قد رُقمن، بل المشاعر أيضا

لكن ما يقلق أكثر من “لوم المريض” هو ما يتجاوزه، من يملك الجسد حين يتحول إلى بيانات؟

حين تُرسل إشارة الابتلاع إلى “الطاقم الطبي”، من يضمن ألا تُشارك مع شركة التأمين؟ مع شركة الأدوية؟ مع جهة حكومية؟ مع خوارزمية لا نعرف من صممها ولا لأي غاية نهائية تعمل؟ الخصوصية هنا ليست مجرد بند قانوني، بل سؤال وجودي، هل يحق للإنسان أن يحتفظ بجزء من ذاته خارج دائرة الرصد؟

رقمنة الجسد ليست حدثا معزولا. هي جزء من مسار بدأ منذ أن قبلنا أن تُقاس خطواتنا، وأن تُسجَّل ساعات نومنا، وأن تُراقَب ضربات قلوبنا عبر ساعات ذكية وأساور لياقة.

كنا نقول إننا نفعل ذلك من أجل الصحة، من أجل “نمط حياة أفضل”. لكن شيئا فشيئا، تحوّل الجسد إلى مشروع مراقبة ذاتية، ثم إلى مشروع مراقبة خارجية. ما كان في البداية اختيارا فرديا صار معيارا اجتماعيا. من لا يراقب جسده يبدو متخلفا عن “العصر الرقمي”، ومن لا يشارك بياناته يبدو مشبوها أو غير متعاون.

الحبة الذكية خطوة إضافية في الاتجاه نفسه، لكنها أكثر راديكالية، فهي لا تراقب الجسد من الخارج، بل من الداخل. لا تقيس ما نفعله، بل ما نبتلعه. لا تكتفي بتسجيل السلوك، بل تدخل إلى منطقة كانت تُعتبر حتى وقت قريب جزءا من “السرّ الشخصي”: علاقتنا بالمرض، بالخوف، بالموت، وبالرغبة في العيش أو في الاستسلام.

من هنا يطلّ البعد الفلسفي، إذا كان كل ما في الداخل قابلاً للقياس والتسجيل، فماذا يبقى من “الداخل” أصلا؟

إذا صار الجسد كتابا مفتوحا، فهل يبقى للإنسان حق في الغموض، في التردد، في الخطأ، في الرفض؟

أم أننا نتجه إلى نموذج إنسان جديد، لا يُسمح له بأن ينسى حبة، أو يتردد في علاج، أو يختار أن يتأخر في مواجهة مرضه، لأن كل ذلك سيُقرأ كـ”سلوك غير عقلاني” يجب تصحيحه؟

ثم يأتي البعد السياسي، الذي لا يمكن تجاهله. فالجسد المرقمن ليس جسدا حرا، بل جسد داخل شبكة من المصالح، شركات أدوية تريد ضمان استهلاك منتظم، شركات تأمين تريد تقليل المخاطر على حساب المؤمّن عليهم، حكومات تريد ضبط السلوك الصحي لتقليل كلفة الرعاية، وربما أيضا أجهزة أمنية ترى في البيانات الصحية جزءا من “الأمن القومي”.

يصعب ألا نستعيد جورج أورويل، الذي لم يكن يتنبأ بالمستقبل بقدر ما كان يقرأ طبيعة السلطة حين تُمنح أدوات مراقبة تتجاوز حدودها. أورويل تخيّل “الأخ الأكبر” وهو يراقب الوجوه في الشوارع، لكنه لم يتخيل أن الرقابة ستدخل الجسد نفسه، وتستقر في أعمق نقطة فيه، لحظة ابتلاع حبة دواء. ما كان عنده كاميرا على الجدار، أصبح اليوم هوائيّا يذوب في المعدة. وما كان مراقبة للسلوك العام، صار مراقبة للعمليات الحيوية الدقيقة. المفارقة أن التكنولوجيا لم تُكذّب أورويل، بل جعلت نبوءته تبدو متواضعة أمام ما هو قادم.

في هذا السياق، تصبح الحبة الذكية أداة ضبط بقدر ما هي أداة علاج. من يرفضها قد يُتهم بعدم التعاون، ومن يقبلها يدخل طوعا في دائرة مراقبة لا يعرف كيف يخرج منها.

المفارقة أن كل هذا يحدث تحت شعار “الحرص على صحتك”. كأن الصحة لم تعد علاقة مع الجسد، بل عقدا مع نظام رقمي يطالبك بالشفافية الكاملة. الشفافية هنا ليست فضيلة أخلاقية، بل شرط للقبول في مجتمع يُدار بالبيانات. من لا يكشف كل شيء عن جسده يصبح عبئا، أو خطرا، أو على الأقل “غير مندمج” في المنظومة.

أعود إلى جهلي القديم بالأدوية فأراه الآن بشكل مختلف. لم يكن شجاعة، لكنه كان نوعا من الدفاع الغريزي عن حق الإنسان في أن يحتفظ بجزء من ذاته بعيدا عن القياس. اليوم، لا أستطيع أن أدافع عن الجهل، ولا أن أرفض العلم، لكنني أستطيع أن أطرح سؤالا بسيطا يبدو أكثر راديكالية من كل هذه التقنيات: هل يحق للإنسان أن يظل، ولو جزئيا، غير معروف بالكامل؟ أن يحتفظ بجزء من جسده، من قراراته، من تردده، خارج دائرة الإشارة اللاسلكية؟

ربما سيأتي يوم لا تكتفي فيه الحبة بإرسال إشارة عن ابتلاعها، بل تقيس أيضا مزاجنا، وقلقنا، ودرجة حزننا، وتُرسل تقريرا عن “حالتنا العاطفية” إلى جهة ما. عندها لن يكون الجسد وحده قد رُقمن، بل المشاعر أيضا. لن نكون قد فقدنا خصوصية ما في الداخل فقط، بل خصوصية أن نشعر كما نشاء، من دون أن يتحول شعورنا إلى رقم في قاعدة بيانات.

ذلك اليوم لم يأتِ بعد، لكنه يلوّح من بعيد. والحبة الذكية ليست سوى خطوة على الطريق؛ الطريق الذي يبدأ من الجسد، وقد ينتهي عند الروح.

كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى