آراء متنوعة

اقليم كوردستان بين تشتت القرار وشلل المؤسسات…

ضياء بطرس

خارطة طريق واقعية للخروج من المأزق السياسي. ما نكتبه هنا ليس اصطفافا سياسيا ولا دفاعا عن حزب ضد آخر، بل نداء صريح من سياسي مستقل ينحاز الى واقع اقليم كوردستان المتازم، والى مستقبله الذي لا يمكن أن يبنى بقرارات مؤجلة أو تفاهمات ناقصة، فالاقليم اليوم لا يعاني أزمة عابرة، بل يعيش حالة انسداد سياسي وشلل مؤسساتي باتت نتائجه تمس جوهر العملية السياسية، وتنعكس مباشرة على ثقة الشارع الكوردستاني وبنظامه السياسي.

بعد مرور أكثر من عام على انتخابات برلمان اقليم كوردستان، لا تزال المؤسسات الكوردستانية القانونية والأساسية معطلة، من برلمان لم يفعل، الى حكومة لم تشكل، ورئاسة اقليم لم يحسم ملفها. هذا الواقع لم يعد قابلا للتبرير تحت أي ذريعة سياسية، ويشكل إخفاقا يتحمل مسؤوليته بالدرجة الأولى الحزبان الرئيسيان الشريكان في ادارة الحكم لاكثر من 33 سنة، ومعهما بقية القوى السياسية التي شاركت في العملية الانتخابية دون أن تنجح في فرض مسار سياسي واضح بالرغم من اخذها موقف المعارضة السياسية شكلا.

في المقابل شاهدنا في بغداد نموذجا مختلفا في ادارة الاستحقاقات الدستورية الفيدرالية، فقد حسم (البيت السني) منصب رئيس مجلس النواب، وحسم (البيت الشيعي) منصب النائب الأول، عبر توافقات داخلية سبقت الذهاب الى البرلمان ، ان هذه الممارسة بغض النظرعن الرأي والموقف منها، تعكس قدرة المكونات الأخرى على ادارة استحقاقاتها من داخل بيوتها السياسية، أما ما جرى في (البيت الكوردي) عند انتخاب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، فكان مختلفا تماما، حيث ظهر الانقسام علنا بتشتت القرار وان تم اصلاحه بعد ذلك بصورة مرضية للاطراف المتنازعة وتم قبوله .

بعد مباشرة مجلس النواب العراقي باعماله بدأ العمل في الاستحقاق الدستوري الأهم المتمثل بانتخاب رئيس الجمهورية العراقية وبعدها تشكيل الحكومة الاتحادية، كان من المفترض أن تمثل هذه اللحظة فرصة لاعادة ترتيب الموقف الكوردستاني وتعزيز موقع الاقليم تفاوضيا لكن ما نلاحظه هو اعادة انتاج للأزمة ذاتها، عبر تعدد المرشحين الكورد المسجلين لمنصب رئاسة الجمهورية، هذا يكشف لنا غياب التفاهم السياسي بين القوى الكوردستانية التي تعتبر الجزء المؤثر والفعال في العملية السياسية العراقية، ويؤدي الى فتح الباب أمام قوى سياسية خارج الاقليم للتاثير في الاستحقاق الذي يفترض أن يكون نتاج توافق كوردي – كوردي كنتاج لما جرى ويجري في بغداد وفق مبدأ الشراكة والتوافق.

ان ترشيح أكثر من اسم لمنصب رئاسة الجمهورية لا يعكس تنوعا سياسيا صحيحا، بل يشير بوضوح الى انقسام في المواقف وغياب معادلة سياسية متوازنة ،لان جوهر الأزمة لا يكمن في هوية المرشح، ولا في انتمائه الحزبي، بل في فصل الاستحقاق الاتحادي عن استحقاقات اقليم كوردستان المعطلة، وكأن المطلوب هو منح شرعية للحكومة الفيدرالية لجعلها العمق الاستراتيجي مقابل استمرار الفراغ السياسي والحكومي والاداري في الاقليم.

من هذا المنطلق يصبح من الضروري الان وقبل فوات الاوان أن يتفق الحزبان الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني على مرشح واحد لرئاسة الجمهورية، بغض النظر عن انتمائه الحزبي، لكن ضمن شرط سياسي واضح وصريح ويتفق عليه بصورة تحريرية وموقعة بين الحزبين واذا وجد طرف ثالث بينهما سيعطي ضمانة اكثر، والشرط يكون ان لا يستكمل التصويت على انتخاب رئيس الجمهورية المتفق عليه في مجلس النواب العراقي قبل تفعيل برلمان اقليم كوردستان وانتخاب هيئة رئاسته وحسم ملف رئاسة الاقليم والشروع الجدي بتشكيل الحكومة الجديدة وفق السياقات القانونية المتبعة في الاقليم.

هذا الشرط لا يعد تعطيلا للاستحقاق الاتحادي، بل إعادة ترتيب للأولويات ورسالة سياسية مفادها أن كوردستان لا يمكن أن تمنح شرعية لاستحقاق وطني بينما مؤسساتها القانونية والرسمية معطلة ومشلولة منذ أكثر من عام على الانتخابات البرلمانية التي جرت في 20/11/2025 ،لان القبول بمرشح توافقي لرئيس الجمهورية دون ربطه بتفعيل استحقاقات الاقليم سيعيد إنتاج الأزمة ذاتها، ويؤدي الى استمرار الفراغ السياسي والاداري في الاقليم، وهو تناقض غير مقبول سياسيا واداريا.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن أي تسوية لا تنطلق من داخل البيت الكوردستاني تبقى هشة، وقابلة للانهيار عند أول اختبار، لذلك فان تفعيل برلمان الاقليم وتشكيل الحكومة الجديدة يجب أن تكون مدخلا للحل وليس نتيجته، واقع شعب اقليم كوردستان اليوم لا يحتاج الى انتصار احد الاحزاب على الثاني في بغداد، بل الى استعادة مؤسساته، واعادة الثقة السياسية للشارع الكوردستاني، وبناء شراكة سياسية حقيقية بين الحزبين في الحكم تقوم على تحمل المسؤولية لا لادارة الأزمات واستمرارها.

وانطلاقًا من هذا المفهوم، يمكن تلخيص خارطة طريق واقعية وقابلة للتنفيذ بالنقاط التالية:

1- الاتفاق العاجل بين الحزبين الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني على مرشح واحد لرئاسة الجمهورية، بعيدا عن الحسابات الضيقة.
2- ربط استكمال التصويت عليه في مجلس النواب العراقي بتفعيل برلمان إقليم كوردستان وانتخاب هيئة رئاسته وفق السياقات القانونية المعتمدة.
3- حسم ملف رئاسة الاقليم دون مزيد من التأجيل، باعتباره استحقاقا دستوريا كاقليم فيدرالي دستوري لا يقل أهمية عن أي منصب اتحادي.
4- الشروع الجدي بتشكيل حكومة اقليم كوردستان الجديدة ( الكابينة العاشرة)، بوصفها شرطا لانهاء الفراغ الاداري والسياسي واستعادة ثقة المواطن الكوردستاني لتقديم الخدمات المستحقة وحل مشاكل رواتب الموظفين وميزانية الاقليم للسنوات القادمة .

إن تجاهل هذه الخطوات والذهاب إلى تسويات جزئية سيعني منح شرعية خارجية مقابل استمرار الشلل الداخلي، وهو مسار لا يخدم كوردستان وشعبها ولا يعزز موقعها في العراق الاتحادي، فالاقليم اليوم لا يحتاج الى انتصارات حزبية عابرة، بل الى قرار سياسي شجاع يعيد الاعتبار لمؤسساته، ويضع حدا لمنطق ادارة الأزمات بدلا عن العمل في سبيل ايجاد الحلول المرجوة وتحسين الاوضاع في كافة المجالات.

ان اي تأخير في هذا المسار لن يفسر شعبيا وسياسيا بوصفه خلافا في وجهات النظر السياسية، بل عجزا عن تحمل المسؤولية وخطرا حقيقيا قد يحول الأزمة السياسية في اقليم كوردستان الى أزمة مجتمعية يصعب احتواؤها لاحقا.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى