آراء متنوعة

حكم الشخصيات العسكرية بين ميزان العدالة وثقل

الحاج صادق سعدون البهادلي

في دولة أنهكها الفساد الإداري وتعبت فيها العدالة من كثرة ما حملت فوق طاقتها لم يعد مستغربا أن يتحول الحكم القضائي من لحظة إنصاف منتظرة إلى جرح جديد في جسد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ومن هنا يطفو إلى السطح الجدل الواسع حول حكم الشخصيات العسكرية ذلك الحكم الذي يرى فيه كثيرون مثالا صارخا على الظلم والبهتان وصورة مؤلمة لضحية سقطت تحت أقدام الواسطات والنفوذ.
ليس الحديث هنا دفاعا أعمى عن أشخاص ولا طعنا جزافيا بالمؤسسات بل هو تساؤل مشروع يطرحه الشارع : هل ما جرى كان تطبيقا خالصا للقانون؟ أم أن القانون انحنى مرة أخرى أمام أصحاب النفوذ ليحمّل وزر الفشل لمن لا ظهر له ولا واسطة تحميه؟ حين تحاكم الأسماء لا الأفعال المؤلم في كثير من القضايا الحساسة أن الأحكام لا تبنى دائما على الوقائع المجردة بل على الاسم والموقع السابق والخصومات المتراكمة. فيتحول بعض القادة مهما كانت خدمتهم أو نياتهم إلى أوراق تحرق في صراع أكبر منهم. وهنا يصبح الحكم أقرب إلى رسالة سياسية أو إداريةلا إلى قرار قضائي بحت.

يقول الله تعالى (وإِذا حكمتم بين الناس أَن تحكموا بالعدل) فالعدل لا يجزأ ولا يقاس بموازين المصالح ولا يفصل على مقاس الخصومات. الواسطة العدو الخفي للعدالة ما ينخر ثقة العراقيين اليوم ليس القوانين بل تطبيقها الانتقائي. فكم من فاسد معروف لم تطله يد الحساب، لأنه محمي بحزب أو كتلة أو صفقة وكم من مسؤول أو ضابط وجد نفسه وحيدا في قفص الاتهام لا لجرم ثابت بل لأنه لا يملك شبكة حماية وهنا يصبح الحديث عن حكم ما كحكم شخصيات عسكرية من مصنع الابطال حديثا عن منظومة لا عن فرد. منظومة تكافئ القريب وتقصي المستقل وتسقط من لا يجيد لعبة الاصطفاف.

قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)
وما أشبه اليوم بالأمس إن تغيرت الأسماء وبقي الداء. رسالة إلى القضاء والدولة إن أخطر ما قد تواجهه الدول ليس المعارضة ولا النقد بل انكسار ثقة الناس بالعدالة. فحين يشعر المواطن أن الحكم قد يصنع في الممرات لا في قاعة المحكمة وأن الواسطة أقوى من الدليل فهنا يبدأ الانهيار الحقيقي.
لسنا بحاجة إلى أحكام ترضي هذا الطرف أو ذاك بل إلى عدالة شجاعة تقول: هذا مدان لأن الأدلة أدانته وهذا بريء ولو كره الكارهون. فليحاسب بعدل لا تشوبه شبهة. وإن كان مظلوما فسكوت الدولة عن إنصافه ج#ريم*ة لا تقل قسوة عن الظلم نفسه. أما الواسطه فهي العار الأكبر لأنها لا تظلم فردا واحدا بل تذبح هيبة الدولة على مرأى من شعب تعب من الانتظار ولا يزال يسأل: متى يكون القانون أعلى من الأسماء؟ ومتى تكون العدالة بلا هواتف ولا توصيات؟

رحم الله الشهداء الطلاب ولعن الله كل واسطة كانت سببا في قبول غير مستحق وكل صمت خائف وكل عدالة خجوله.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى