(الابراج السكنية وأثرها على الواقع الاجتماعي من
(الابراج السكنية وأثرها على الواقع الاجتماعي من حولها)
كل مجتمع حيّ يحتاج إلى التحديث والنمو، وكل دولة تطمح إلى مستقبل اقتصادي أقوى لا بد أن توسّع مدنها وتبني مشاريعها. لكن المشكلة ليست في البناء نفسه، بل في الفلسفة التي تقف خلف هذا البناء، وفي نوع المجتمع الذي سيولد منه بعد سنوات.
ما يحدث اليوم من إنشاء مدن ومجمعات سكنية بأسعار فلكية ومواصفات لا يستطيع الوصول إليها إلا الأثرياء ،سيولد تحول اجتماعي خطير سيغير شكل المجتمع العراقي الذي عرفناه لعقود طويلة.
بغداد لم تكن يوما مجتمع “الجزر المنعزلة”، قيمة المجتمع البغدادي الحقيقية في اختلاط الناس ببعضهم الغني بجوار محدودي الدخل، والمتعلم بجوار البسيط، وابن القبيلة المختلفة بجوار الآخر دون حواجز طبقية أو مناطق مغلقة.
كانت الأحياء تصنع شعورا بالمساواة والانتماء، ولذلك بقي المجتمع متماسكا رغم كل التحديات الاقتصادية والسياسية التي مرت على البلاد أما اليوم فنحن نسير بهدوء نحو نموذج مختلف تماما: تجمعات للأثرياء وتجمعات لبقية الناس .
هذه حقيقة اجتماعية -وليست مبالغة- أثبتها التاريخ في عديد من الدول. عندما تُبنى المدن على أساس القدرة المالية، لا على أساس الانتماء المجتمعي، تبدأ الطبقات بالانعزال عن بعضها. الأغنياء يعيشون في بيئات مغلقة، بخدمات خاصة ومدارس خاصة وأماكن ترفيه خاصة وحتى شعور مختلف بالوطن. وفي المقابل تتكدس بقية الفئات في مناطق أقل حظا، فتتسع الفجوة النفسية قبل الاقتصادية (العشوائيات ذموجا في دول كثيرة).
أخطر ما في الأمر أن الطبقية تبدأ بالعزلة وليس بالكراهية، فحين لا يرى الغني حياة الناس العاديين ولا يفهم معاناتهم، وحين يشعر محدود الدخل أن هناك وطنا آخر لا يستطيع دخوله، يبدأ الاحتقان الاجتماعي بالتشكل بصمت.
التاريخ الاجتماعي يعلمنا أن المدن المنقسمة طبقيا تنتج مع الوقت ثلاثة أشياء خطيرة:
– ضعف الهوية المشتركة
– تصاعد الشعور بالظلم وعدم تكافؤ الفرص
– هشاشة الاستقرار الاجتماعي والأمني
ولهذا فإن كثيرا من الدول التي صنعت “مدن النخبة” دفعت لاحقا أثمانا باهظة لأن المجتمع حين ينقسم جغرافيا ينقسم نفسيا وثقافيا أيضا.
هنا لا نتحدث فقط عن استثمار اقتصادي بل عن تكوين كتل سكانية منفصلة ثقافيا واجتماعيا عن النسيج المحلي. وكلما زادت المساحات المنعزلة عن المجتمع الحقيقي، زادت احتمالات التوتر وفقدان الانسجام الوطني على المدى البعيد.
لا أحد يعارض الاستثمار ولا أحد ضد التطوير، لكن التنمية الحقيقية ليست بناء أبراج فاخرة او مناطق نخبوية فقط، بل في بناء مجتمع متوازن يشعر فيه الجميع أنهم شركاء في الوطن، لا مجرد طبقات تعيش بجوار بعضها دون رابط. والدول الذكية لا تقيس نجاحها بعدد التجمعات الفاخرة، بل بقدرتها على منع تحول الثروة إلى جدران تفصل الناس عن بعضهم.
نحن لا نخاف من الحداثة، لكننا نخاف من أن ندفع ثمنها اجتماعيا بعد سنوات، حين يصبح أبناء البلد الواحد يعيشون في عالمين مختلفين تماما، عالم يملك كل شيء، وعالم ينظر إليه من الخارج
المجتمعات لا تنهار فجأة، هي تبدأ بالتآكل حين تفقد روحها المشتركة.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كم ابراجا جديدة بنينا؟، لكن أي نوع من المجتمع نبني معه؟
هل تم توفير البدائل للطبقات المتوسطة والفقيرة وأصحاب الدخل المحدود هل وجدنا حلولا للعشوائيات باتمان بسيطة وباقساط مريحة
وكم كنت أتمنى لو ان هذه الجهود وهذه الأموال تم توجيهها الى بناء مدن صناعية و زراعية و سياحية، كنا سنستفيد منها جميعا وسنأكل من طبق واحد وفي مكان واحد وسيولد مجتمع متماسك تجمعه الالفة والوطنية والانتماء.
المهندسة الاستشارية
ازهار القيسي
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.