الواقع العراقي بين المتشائمين واللامتشائمين

عفاف السيد حسن     

 

الواقع العراقي بين المتشائمين واللامتشائمين

اتخذ مقعده أمامي ونفث دخان سيجارته وهو يبتسم ليقول بعدها:

-قالوا لي في الكويت لو مددت انفك من بيتك تجيك رصاصة!

يقصد العراق، وهذه هي زيارته الأولى.. والمناسبة دعوة من صديق العائلة، صحفي في الثلاثينيات لا أعرف حتى اللحظة صلة القرابة بينه وبين بيت خالي، ولكنه يعرف أفراد عائلتي حيث طلب مني نقل سلامه وتحياته لهم، أردت أن اعترض على كلامه بالقول إنه قبل أشهر جاء لزيارة العتبات المقدسة وزار حتى سامراء، والكثير من الكويتيين فعلوا ذلك ويفعلونه كل عام، وقد عادوا جميعهم والحمد لله بأنوف سليمة فلم تجد رصاصة طريقها إلى أي انف مهما كان طويلا، لكنه استدرك مباشرة: طبعا موسم الزيارة يختلف، ناتي ضمن موكب ولا ندخل المدن غالبا، إلا النجف وكربلاء.

قال الكثير من الكلام الذي لام فيه وسائل الإعلام العراقية التي تقصّر في نقل حقيقة الأوضاع للمواطنين في الدول العربية، فالصورة هناك مستقرة في الأذهان من غياب الأمن وخطورة أن يزور شخص العراق خشية من أن لا يعود سالما..   

لم اقتنع بأن المشكلة في وسائل إعلامنا، صحيح أنها بمجملها تفتقد إلى الحرفية، إنها قسمان، قسم للأحزاب ولرجال أعمال على علاقة بالأحزاب، والقسم الآخر وهو عبارة عن القنوات التي تتبع شبكة الإعلام العراقية وهو إعلام حكومي، الأول ليس من أولوياته مخاطبة المشاهدين العرب، وليس من أجندته أن يهتم بتفاصيل الصورة العراقية ليعكسها للخارج اللهم إلا بحدود ما تخدمه وتخدم مصالحه وتبعا للجهات الإقليمية التي يرتبط بها ممولوه ومالكوه، والثاني يفتقد الحرفية والتأثير اللازم، وهو أعجز من أن يكون ذا مصداقية لدى المتابع العراقي ناهيك أن يكون له تأثير يذكر في المواطن العربي. . ولا تحدثني عن إعلام مستقل فأنا لا أعرفه.

إذن أين السبب؟ ربما هو سؤال يتجاوز الحقيقة!

سيطلع ألف رأس من وراء الأكمة ليقول:

 وهل هناك أمن وأمان في العراق كي نتحدث عن عكس صورة الأمن في البلاد للعالم؟ وأجيب نعم وبحمد الله فإن أغلبية مدننا وقرانا وأريافنا آمنة وحتى الأجزاء التي كانت سابقا مناطق ساخنة أو معتدلة بحرارة عنفها ترفل اليوم باستقرار ندعو الباري عز و جلّ أن يستمر. حين تقول ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي فعليك أن تنتظر سيلا من الردود والتعليقات التي تشّرق وتغرّب اعتراضا على حقيقة يفترض أن الجميع يأنس بها وينتظرها وهي ما يبتغيه ويرتجيه، لكن ما يحدث يشعرك أن العراقيين يستكثرون على أنفسهم ولو لحظة أمل واحدة..

في عام 2011 كانت هناك أيام عنف اعتدنا تسميتها بالأيام الدامية، السبت الدامي، الأحد الدامي، الأربعاء الدامي والخ، في أحد هذه الأيام  خرج زميل بعد انتهاء الدوام من مبنى إحدى المؤسسات الثقافية التي عملتُ فيها على الحاسبة لمدة من الوقت، وإذا بمراسل لإحدى الفضائيات العربية يتقدم باتجاهه ويطلب منه لقاء في سياق تقرير عن العنف الذي ضرب بغداد مجددا وماذا يطلب من الحكومة، انطلق صديقي بلوم الحكومة والأجهزة الأمنية واسترسل يذكّر بأزمة المياه الصالحة للشرب وغياب بعض مفردات الحصة التموينية ومشكلة الإيجارات المرتفعة وغلاء المعيشة واتساع ظاهرة الفقر والبطالة، شاكيا بلهجة حارقة من كل ذلك. حين رأيته على شاشة تلك الفضائية اتصلت به مباشرة، لأفهم ما الذي دفعه إلى ذلك البكاء واللطم العراقي المعتاد؟ فالرجل يمتلك شقة ممتازة في قلب العاصمة، ويصله ماء صالح للشرب بلا فلاتر، ولا تهمه البطاقة التموينية لأنها محجوبة عنه أصلا، ويعمل في مؤسسة حكومية ويتقاضى راتبا جيدا يكفيه ويكفي عائلته الصغيرة لشهرين لا لشهر؟؟

أجابتني زوجته أولا وبعد أن عرفتني سلمته الهاتف، وعقب كلام قصير سألته عن اللقاء الذي أٌجري معه فقال بأنه لا يعرف لماذا قال ذلك، ولكنه اسلم نفسه لسجيته حسب تعبيره، وأن الناس دائما في لقاءاتها بالفضائيات تقول هذا الكلام.. منذ ذلك الحين ترسخ لدي يقين سابق من أننا نحن العراقيين أساتذة في التشكي إننا لوّامون متشائمون، نبحث عن عزاء كي نلطم فيه، إلى حد كأننا لا نريد أن نسمع عن أنفسنا خيرا، يكفي المرء أن يقلب مواقع الانترنت ويقرأ ما يكتبه أصحاب المقالات، إن وجدت فيها ذرة من التفاؤل فعاتبني، القنوات الإعلامية والصحف ومواقع الانترنت أصحابها جزء منا، وأشهى ما يقدمونه على أطباقهم اليومية هي هذه المقالات والآراء المفطور أصحابها على روح النقد والتلذذ برسم مشهد الخراب وفاجعة الراهن و ضياع المستقبل.. وإياك أن يعلو صوتك بالاعتراض على هذا الدأب العراقي الأسود، فسيأتيك اقل صبي خبرة في الحياة ليقول لك باستهزاء: نعم واقعنا جميل مشرق ورائع وكله هدوء وعذوبة ولا حتى بحيرات فنلندا.. فهل رضيتي؟!

الحقيقة تقول إننا لا نحسن الوقوف بإيجابية في منتصف المسافة الفاصلة على الأقل بين التفاؤل والتشاؤم، إننا باختصار متطرفون خاصة مع أنفسنا، وخيرنا من يقول إنه ليس متشائما ولكنه ليس متفائلا بالضرورة،

وها نحن من مظاهر تشاؤمنا ويأسنا لا نرى في الانتخابات القادمة مثلا مدعاة لأي مبادرة، وكأننا نقدر أنفسنا مقدار الحجر الأصم الذي لا اثر له ولا تأثير. الكل ينتقد السياسيين والكل يقول إنه يائس من تغييرهم، فسبحان الذي له في خلقه شؤون وشجون! بل سمعت قبل يومين في لقاء تلفزيوني حول قانون شرعه البرلمان مؤخرا لتشكيل ما يعرف بشركة النفط الوطنية، قال أحد الضيوف وهو أستاذ جامعي متخصص إن من مؤاخذاته الرئيسة على القانون هو سرعة تشريعه في ظروف البلاد الحالية، واستغرب كيف يتم تشريع هكذا قانون في ظل ظروف الفساد المالي والإداري؟! أي أن المطلوب هو عدم تشريع أي قانون مادامت هناك مشكلة فساد في البلاد.. هذا منطق يعبر عن حقيقة تفكيرنا للأسف، فبدل من النظر إلى إيجابيات قانون كهذا يطلب الأستاذ الأكاديمي المتخصص عدم التفكير في المستقبل مادمنا نعيش حاضرا غير مقبول.. علينا أن نموت إذن وإن لم نستطع علينا أن نتماوت!

ما الذي نخسره لو أشعنا ثقافة التفاؤل؟

والتفاؤل ليس كذبة منمقة ندعي تصديقها، علماء النفس يؤكدون أنه عامل زخم يدفع الإنسان إلى مبادرة أو عمل مثمر، هو لا يخلق الأشياء من العدم طبعا، ولكنه يقول لك إن ثمة أشياء يجب أن تخلقها، وأنت قادر على فعل ذلك. تقول لي إن استحواذ القوى السياسية على مقاليد الأمور لا يسمح لنا بافتراض أن يُستبدَل هؤلاء لنغير من واقعنا ومستقبلنا شيئا، وأقول لك إن الشجرة العظيمة لم تكن سوى بذرة ربما ألقاها أحدهم على قارعة الطريق، هناك أشياء صغيرة تلعب دورا في رسم حياة الشعوب والمجتمعات، المشاعر المتطرفة آفة صغيرة تنخر دواخلنا بدون رحمة و يساهم اليوم الجميع في إضفاء صبغة وطنية عليها..

أبطال النقد السياسي الممل حالوا التفكير في كتابات تطرح حلولا وتضع معالجات وتجترح فساتين جميلة لأيامنا المقبلة حتى وإن كانت عاشورائية الملمس، هناك عرائس بملابس سوداء أيضا وهي تبتسم بعذوبة..

إن كنا يائسين من تغيير وضع سياسي -سيتغير طال الوقت أم قصر- فعلينا أن نؤمن بأننا أحياء، والحياة ليست السياسة فقط على أهميتها.. قريبي الكويتي فهم ما أردت قوله.. و وعد أن يكتب مقال في صحيفة لديه يتحدث فيها عن أن العراق ليس هذا الذي يتحدث عنه أبناؤه للخارج.. إنهم ليسوا أشقياء وجوعى وعراة وعطالين بطالين وعيشتهم سوداء كما يقولون، هناك حياة أخرى في العراق قابلة للرؤية واللمس!!  

شاهد أيضاً

ابراهيم امين مؤمن

إبليس فى محراب العبوديّة

إبراهيم أمين مؤمن         إبليس فى محراب العبودية لم يثقْ عزازيل فى أىِّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.