المعارضة بين المشاركة والرقابة وإمكانية نشئتها في العراق
المعارضة السياسية تمثل ركناً أساسياً في أي نظام ديمقراطي حقيقي فهي التعبير العملي عن مبدأ التعددية السياسية والفكرية وضمانة لتوازن السلطة ومنع استبدادها فالمعارضة بمعناها الواسع ليست عداوة شخصية للحاكم أو الحكومة بل هي موقف سياسي وفكري يتبنى رؤية مغايرة في إدارة الدولة وصنع القرار لكنها كثيراً ما تُفسر في المجتمعات ذات الأنظمة السلطوية على أنها خصومة وعداء فتواجه بالقمع والتهميش بدلاً من الحوار والمنافسة المشروعة أما المعارضة البرلمانية فهي الشكل المؤسسي للمعارضة داخل النظام النيابي إذ تمارس دورها من داخل البرلمان من خلال مراقبة أداء الحكومة وانتقاد سياساتها واقتراح البدائل ووظيفتها ليست إسقاط الحكومة بقدر ما هي تصحيح مسارها وضمان التزامها بالمصلحة العامة وقد تتخذ المعارضة البرلمانية موقفاً مرناً يسمح لها بالمشاركة في بعض لجان الدولة أو التحالفات المؤقتة طالما كان ذلك يحقق أهدافها السياسية دون التنازل عن دورها الرقابي
تُطرح بين الحين والآخر مسألة إمكانية مشاركة المعارضة في الحكومة وهو ما يعرف في بعض النماذج السياسية بحكومة الوحدة الوطنية أو الحكومة الائتلافية وهذا الشكل من التوافق السياسي قد يبرز في فترات الأزمات الوطنية الكبرى أو الانقسامات الحادة حين ترى القوى السياسية أن المصلحة العليا تقتضي التشارك في الحكم لتجاوز مرحلة حساسة أو منع انهيار الدولة وقد شهدت دول عربية وإقليمية عدة تجارب في هذا المجال ففي لبنان تشكلت أكثر من مرة حكومات تضم قوى المعارضة والموالاة معاً تحت شعار الوحدة الوطنية كما حصل في حكومات ما بعد اتفاق الطائف غير أن هذه التجارب كثيراً ما انتهت بصراعات داخلية عطلت القرار السياسي لغياب ثقافة العمل المشترك وفي تونس بعد ثورة 2011 شاركت بعض أحزاب المعارضة في حكومات ائتلافية مثل الترويكا لكنها انسحبت لاحقاً بسبب تضارب المصالح والرؤى حول الإصلاحات وفي المغرب نرى نموذجاً أكثر توازناً حيث يشارك حزب العدالة والتنمية مثلاً في الحكم ضمن ائتلاف بينما تمارس أحزاب أخرى المعارضة من داخل البرلمان بطريقة مؤسسية نسبياً وعلى الصعيد العالمي نجد تجربة ألمانيا نموذجاً يحتذى إذ تشكل الحكومات عادة عبر تحالفات بين أحزاب متقاربة فكرياً ويظل البرلمان ساحة للحوار لا للصراع العدائي وفي بريطانيا رغم وضوح الفصل بين الحكومة والمعارضة فإن هناك تقليداً راسخاً لاحترام دور المعارضة بوصفها حكومة الظل التي تراقب وتستعد للحكم مستقبلاً
في العراق لا تزال تجربة المعارضة البرلمانية في طور التشكل فالمشهد السياسي العراقي بعد عام 2003 اتسم بنظام المحاصصة الحزبية والطائفية الذي جعل الجميع تقريباً شركاء في الحكومة وأضعف بالتالي وجود معارضة حقيقية فكل حزب كان يشارك في السلطة بنصيب من المناصب مما أدى إلى غياب التمييز بين من يحكم ومن يعارض وتحول البرلمان في كثير من الأحيان إلى ساحة لتقاسم النفوذ لا لمراقبة الأداء الحكومي ومع ذلك بدأت في السنوات الأخيرة بوادر جديدة إذ أعلنت بعض الكتل السياسية نيتها الانتقال إلى موقع المعارضة البرلمانية مثلما فعل التيار الصدري في بعض المراحل وإن كانت تلك المعارضة ما تزال محدودة وغير مؤسساتية ومن الناحية النظرية يمكن للمعارضة العراقية أن تجد طريقها إلى البرلمان القادم إذا ما توفرت ثلاثة شروط أساسية أولاً إصلاح النظام الانتخابي بما يضمن التمثيل العادل ويحد من سطوة المال السياسي والسلاح ثانياً فصل المشاركة في الحكومة عن المحاصصة بحيث لا تكون المشاركة هدفاً بحد ذاتها بل وسيلة لتحقيق برنامج سياسي واضح ثالثاً تطور الوعي الشعبي بضرورة وجود معارضة وطنية مسؤولة تراقب وتكشف وتقدم البدائل لا أن تشيطن لمجرد اختلافها مع السلطة
إن مشاركة المعارضة في الحكومة ليست محرمة سياسياً لكنها تصبح تناقضاً وظيفياً إذا فقدت المعارضة استقلالها ودورها الرقابي فالمعارضة التي تدخل الحكومة يجب أن تفعل ذلك في إطار توافق وطني واضح ومؤقت لا في إطار محاصصة أو صفقة سياسية ويمكن القول إن مستقبل المعارضة في العراق مرتبط بمدى نضج العملية السياسية نفسها ومدى استعداد القوى السياسية للانتقال من منطق المغانم إلى منطق المسؤولية فوجود معارضة قوية وواعية ليس تهديداً للحكومة بل هو ضمان لاستمرار الدولة وتوازنها
وخلاصة القول إن العراق اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء مفهوم المعارضة الوطنية عبر ترسيخ قواعد جديدة للحياة السياسية قائمة على التخصص في الأدوار لا التشابك فيها فالحكومة تُحاسب والمعارضة تُراقب وكلاهما يسعى لخدمة الوطن وإذا تمكن البرلمان القادم من احتضان معارضة بناءة تمتلك برنامجاً إصلاحياً واضحاً وتستند إلى دعم شعبي واعٍ فإنها ستكون بداية تحول تاريخي نحو نظام سياسي أكثر توازناً وعدلاً واستقراراً