مقالات دينية

الكاردينال لويس ساكو ودّعَ الكرسي البطريركي

بقلم / وردا إسحاق قلّو
الكاردينال لويس ساكو ودّعَ الكرسي البطريركي
 
   أولاً نقول، البطريرك هو أب الآباء وراعي كنيسة الرب. ينتخب من قبل الأساقفة في مجمع السنودس المقدس. وعمل السنودس بدأ من فترة الرسل الأطهار، وإستمرت الكنيسة بالعمل به لإنتخاب شخصيةً مختارة تتصف بسيرة حسنة ليكون نموذجاً صالحاً يقتدى به، وراعياً ناجحاً. فالبطريرك الذي يرعى قطيع المسيح يحب أن يتصرف بحكمة ويعمل بالتواضع والمحبة مع الجميع، ويكون نزيهاً وغير محب للمال والمقتنيات، ولا متسلطاً بل راعياً يعمل بوفق وصايا الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة الكاثوليكية، كما يجب أن يكون صبوراً في المحن، لا يهاب من المشاكل والمخاطر التي تعصف بالكنيسة، بل يتحمل بإيمان ويتذكر قول الرب يسوع ( وها أنا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر ). كما يجب أن يكون متسلحاً بالعلم والخبرة في القيادة، ويتقن لغات كثيرة ومنها اللغات ذات العلاقة بمحيطه ومرجعياته. ويصون العلاقة بين كنيسته والكرسي الرسولي لكي تحتفظ الكنيسة بوحدتها لأن المسيح هو رأس لكنيسة واحدة جامعة.
  كان غبطة أبينا مار لويس روفائيل ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم  يمتلك المزايا والصفات والمواهب اللازمة للقيادة. لهذا كان طلب تقديم إستقالته كالصاعقة على المؤمنين، لأن إستقالته وخاصةً في هذه الظروف هي خسارة كبيرة لقيادة كنيستنا الكلدانية. كذلك نقول، كان الخبر مفرح جداً لمن كانوا يعملون لتدمير الكنيسة وإستغلالها، وآخرين كانوا يتقاطعون معه في موضوع القومية والطقوس الكنسية. كان غبطته أباً وقائداً شجاعاً تحدى كل المكائد والخطط المزروعة في طريقه لإستغلال الكنيسة وإضعافها وتقسيمها. خدم في سنوات الحروب والضيقات والمؤامرات التي مر بها العراق وشعبنا الكلداني الذي تم محاربته وتهجيره وتصفيته وإستغلاله وتهميشه. دافع عن شعبه الكلداني وحقوق أبنائه بكل شجاعة، لم يهاب يوماً من سهام الكثيرين التي وجهت إليه شخصياً، بل كان كالصخر الثابت لن ينثني يوماً أو يتردد في مواقفه، صبر وتحمل مواقف بعض أخوته من الأساقفة بكل محبة، كان يمتلك إيماناً صادقاً وحاراً وحكمة في القيادة، ورغم مسؤلياته الكثيرة وسفراته الى خارج القطر مداد قلمه لم ينضب في الكتابة والتأليف والوعظ ، وصل عدد كتبه 45 كتاباً ومئات المقالات المنشورة، بدأ في الكتابة منذ أن رسم كاهناً في عام 1974، خدم الإيمان أيضاً بالتعليم لطلاب المعهد اللاهوتي . كان نزيهاً من جهة المال فلم يترك للضعفاء والحاقدين والأعداء يوماً فرصة لنقده أو تشويه سمعته، كذلك لم ينحني يوماً أمام القادة سراق البلد لكسب بعض المال المسروق من قوت الشعب كما فعل البعض. لهذا كان أكبر من أكبر منهم ومحترماً حتى على المستوى العالمي، فزيارات قادة العالم والمسؤلين والدبلوماسيون القادمين إلى بغداد كانت تشمل مقابلة غبطته.
   أما عن نزاهته من جهة أموال الكنيسة فكتبت الأخت ( جنان متي سليمان ) مسؤولة الدائرة المالية في البطريركية براءة الذمة لغبطته. في 11- أذار- 2026، بدأت بعنوان ( من له آذان فليسمع). نعرض الجزء المهم فقط لما كتبت وكما يلي:
  … لم يسجل بحقه أي تصرف يخالف القوانين والإعتراف، بل كان دائماً مثالاً للشخص المخلص والنزيه في خدمة الكنيسة لذا نؤكد، بل نشهد أمام الله وأمام الجميع من خلال معرفتنا وتعاملنا معه بأن سيدنا الكاردينال لم يتصرف بأموال الكنيسة مطلقاً بل كان يستلم فقط راتبه الشهري كأي أسقفاً أو كاهن لا غير.
 فكانت ترسل إلى الدوائر المالية مباشرةً دون أن يتصرف بها وبموجب مستند مالي رسمي، وكان يرفض رفضاً قاطعاً بأن يطلب أي مبلغ لإستعماله الشخصي بل بالعكس من ذلك …إلخ. إنتهى الإقتباس.
 كما أعلن غبطته عن كل ما يملك بصراحة. وكذلك عن ما لا يملك كدار للسكن أو سيارة . لم نسمع مِن مَن سبقه من الأساقفة والبطاركة يبوح  بما كان يقتنيه. لكن غاية غبطته من هذا الإعلان لكي يقطع الطريق عن أبنائه الضعفاء الذين أخذوا موقفاً معادياً ضده طول فترة جلوسه على الكرسي البطريركي.
  ما هي الأسباب التي دفعة غبطته لتقديم إستقالته؟
 من حق أي أسقف أن يقدم إستقالته عندما يبلغ سن ال( 75) سنة بعد خدمة طويلة ككاهن أو أسقف، وغبطته خدم 52 سنة كاهن وأسقف أبرشية وبطريرك. وبعد أن خدم الكرسي البطريركي 13 سنة قدم إستقالته إلى الكرسي الرسولي ليتفرغ إلى التأمل والصلاة والتأليف، كذلك يستطيع خدمة الكنيسة في أي عمل أو واجب يكلف به. فبملء إرادته وبدون خوف من أحد، أو بسبب التهديدات كما تدوِّن بعض الأقلام المشبوهة، بل بكل حرية قدم طلب إستقالته إلى الكرسي الرسولي، وقبل قداسة البابا لاون الرابع عشر إستقالته رغم مرور البلاد بهذه الظروف العصيبة.
لم يسكت على الظلم يوماً بل تحدى أرفع الشخصيات في البلاد فعندما تعدى على حقوق الكنيسة، فعبر نيافته عن استغرابه لقيام رئيس الجمهورية عبداللطيف رشيد بسحب المرسوم الجمهوري رقم (147) لسنة 2013، الخاص بتعيين البطريرك لويس ساكو، بطريرك بابل على الكلدان في العراق والعالم، ومتولياً على أوقافها. فرد عليه قائلاً:
 “هذا شيء غريب كثيراً.. فخامة الرئيس كان كبير مستشاري مام جلال، رئيس الجمهورية الأسبق جلال طالباني، عندما أصدر هذا المرسوم الذي سحبه بنفسه اليوم”، موضحاً أن “هذا المرسوم مجرد عرف معنوي وقديم جداً منذ العصر العباسي والعثمانيين مرورا بالعهدين الملكي والجمهوري في العراق، حيث كان يصدر فرمان من السلطان العثماني او مرسوم ملكي او جمهوري فيما بعد، وهو إجراء تقليدي معنوي فأنا ليس موظفاً عند رئيس الجمهورية”، مضيفاً “هذا العرف، وأعني المرسوم الجمهوري او الملكي، معمول به في سوريا ولبنان والأردن ومصر”.
ونبه الكاردينال لويس ساكو قائلا: “انا عندي مرسوم من بابا الفاتيكان، البابا فرنسيس، وانا أكبر شخصية دينية مسيحية تمثل الكلدان في العالم وليس في العراق أو الشرق الأوسط فحسب وليس رئيس كنيسة الكلدان الكاثوليك في العالم فقط، بل انا كاردينال أهم شخصية دينية بعد البابا ويحق لي الترشيح على الكرسي البابوي وخوض الانتخابات لمنصب البابا.. انا كاردينال كل الكلدان في العالم، على الأقل كان على فخامة رئيس الجمهورية احترام مرسوم البابا.”
حقاً الكنيسة كانت بأمس الحاجة إلى بقائه إلى فترة إستقرار الأوضاع الأمنية. لا نعلم كيف سيجتمع أعضاء السنودس من القارات الأربعة لإنتخاب البديل ومطارات بغداد وأربيل التي تطرقها صواريخ الطائرات المسيّرة المرسلة من داخل البلاد وخارجه، لا وبل الوضع إزداد سوءاً في الأيام الأخيرة فنار الحرب دخل إلى البلاد ليهدم معسكرات بعض الساسة. فمن سيقود السفينة في هذه الأيام؟ تم تكليف المطران حبيب هرمز النوفلي مطران البصرة وميشان إلى يوم جلوس البطريرك المنتخب على كرسي البطريركية
كان غبطته حاصلاً على شهادة دكتوراه في علم الآباء الشرقي في المعهد المشرقي البابوي في روما عام 1983، ودكتوراه في التاريخ من جامعة السوربون في باريس عام 1986، وماجستير في الفقه الإسلامي 1984، ويتقن اللغات، الكلدانية والعربية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية والفرنسية. نتمنى لمن يخلفه أن يكون متسلحاً بكل ما كان لغبطته ويعمل بإخلاص لخدمة كنيسته الكلدانية . في الختام نقول لغبطته : طوبى لك يا أبينا الجليل لأنك:
 قد جاهدت جهاداً حسناً وأتممت السعي وحافظت الإيمان.: 2 طي 7:4″.
 أختم وأقول: شكراً لك سيدنا على خدماتك الكثيرة لكنيسة الرب، وأنا شخصياً إقدم لك شكري الخاص لما تعلمته منك عندما كنت لي معلماً في معهد التثقيف المسيحي في كلية بابل الحبرية ولمدة ثلاث سنوات.
نسأل الرب ليغدقك بنعمه وفضائله وعلمه ونوره لكي تسطر أناملك المزيد لنا وللأجيال بعد أن تسلم الوديعة إلى أسقف فاضل وحكيم ومحب ليقود القطيع إلى الخلاص. إغفر لكل الذين سببوا لك المشاكل في كتاباتهم ومواقفهم فالأشرار والمشعوذين المخدوعين كثيرون، كنت تتحملهم كما يتحمل الأب لإبنه الضال . كنت إستاذاً في التعليم والتقويم والتأليف والتأديب كرجل الله الكامل المعد لعمل الصلاح.
   إنتظر بفرح مكافأتك من سيدك الذي خدمت قطيعه بإخلاص وستخدمه أيضاً بصلواتك وكتاباتك بعد عمرٍ طويل، فالرب الذي حملت صليبه وبشرت بكلمته وخدمت مذبح كنيسته وأسراره المقدسة سيستقبلك في عالم الخلود بهذه الكلمات:
نعماً أيها الصالح والأمين! كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير أدخل إلى فرح سيدك. ” مت 21:25″.
 توقيع الكاتب: لأني لا أستحي بالبشارة ، فهي قدرة الله لخلاص كل من آمن ..  ” رو 16:1″

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى