مقالات دينية

القديسين مار يهبالاها وأخوه مار قرداغ

القديسين مار يهبالاها وأخوه مار قرداغ

 إعداد / وردا إسحاق قلّو

الله يعظم ذويه من القديسين الأبرار الذين أرضوه في مسيرتهم النقية ، والله الآب الذي يرى في الخفية يجازي علناً ( مت 6:6 ) لهذا يظهر الذين يتقونه بأنهم منازِل بهية لسكناه ، وذلك من خلال الآيات التي يقدمها لبني البشر من خلالهم وعلى أيديهم ، وفي الأخير يكافئهم بمشاهدة النعيم الأبدي . وهذا مافعل لهذين الأخوين في الجسد والروح ( ربان يهبالاها وأخيه قرداغ ) المطرافوليطين . كانا من قرية رأس العين في منطقة مركا . تتلمذا في دير بيث عابي وإمتازا بالطهر والتقيد بالسيرة الرهبانية السامية أي حفظ اللسان والحواس ، والصوم إلى المساء والسهر أثناء الليل كله ، والصلاة بإختلاء الأفكار والعفة التي تجعل الإنسان مسكناً لله . وقد أوجز الطوباوي مرقس الراهب السيرة الرهبانية كلها بهذه الفضائل الثلاث وهي : أن يطهر الإنسان أفكاره ، وأن يصلي دوماً دونما انقطاع ، وأن يحتمل الأحداث كلها . وكانا  مزينين بهذه المزايا كلها . روى القديس مار إبراهام قائلاً : ( في بدء مجيئي إلى الدير طيلة السنين الثلاث التي أمضيتها في الإبتداء ، لا أتذكر أن قرداغ رفع عينيه أو فتحهما ونظر إليّ ، حتى أنني ظننته كفيفاً . أما يهبالاها فكان يفوق أخاه جهداً وتواضعاً . وكان لكل منهما صفة يمتاز بها عن الآخر ) ولما استشهد القديس مار شوحا ليشوع في بلاد فارس ، بات من الضروري أن يختار أحد بعده ليذهب ويربي القطعان التي دخلت حضيرة الحياة بهِمّه هذا القديس ، ولما حرض الطيب الذكر مار طيمثاوس الجاثليق كل من كان يجد في نفسه الجدارة لهذه المهمة ، ولم يأخذ أحد على عاتقه تعباً مثل هذا لأجل الله ، أضطر الطوباوي الجاثليق إلى أن يرسل إلى هذا الدير ليستدعي الأخوين الطوباويين ليرسمهما ويرسلهما إلى جيلان ودليم الواقعة جنوب بحر قزوين في بلاد فارس بعد أن كلّ الجاثليق في محاولاته لإقناع آخرين ليحلو محل مار شوحا ليشوع ولم يذهبوا ، فكتب إلى الطوباويين يهبالاها وقرداغ لأنه رأى من الأنسب أن يحفظا ويرعيا التراث الصالح الذي ينتقل بين الأشقاء لكونهما تلميذي الأسقف الشهيد مار شوحا ليشوع . كما جاء : إذا مات أخو رجل وترك إمرأة ولم يخلف أولاداً ليأخذ أخوه إمرأته وليقسم نسلاً لأخيه ” تث 25 : 5-9  و تك 8:38 ” فهناك حسب الجسد ، أما هنا فضمن نطاق الروح . ونزل كلاهما كما ينبغي ورسمهما الجاثليق مطرافوليطين ، قرداغ لجيلان ويهبالا للديليميين . صعدا إلى الدير ليهيئا أمورهما للسفر ، رافقهما خمسة عشر راهباً من الرهبان القديسين المثقفين لكي يؤازروهما في العمل الروحي لبث يشارة المسيح ، ومنهم رُسِموا أساقفة للبلدان الداخلية في بلاد فارس . أرسل الجاثليق رسالة لهم إلى تلك البلدان وجاء رد مار يابالاها له ، قال ( بصلواتكم يا أبانا ، وبنعمة المسيح ، رجعت شعوب كثيرة إلى الإيمان الحقيقي ، ونحن بحاجة إلى أن نرسم لهم أساقفة من بعض الرهبان الذين أتوا معنا ) . كتب الجاثليق إليهم ، يقول ( إذا كان لا بد ارسامة أسقف من وجود ثلاث أشخاص ، وإذا لا يتيسر لكم ذلك في منطقتكم القاصية ، فنسمح لكم بأمر الرب الذي به يقوم كل شىء ويساس ، أن تميزوا الأسقف الذي تنتخبوه . وتقوم أنت وقرداغ البار ، وعوض الثالث ليوضع الأنجيل على كرسي في الجهة اليمنى وكَمِلوا رسامة الأسقف الأول بقوة الله . أما الآخرون فيرسمون بواسطة الثلاثة ، والروح الإلهي يوزع مقدساته بهم كما وزعها بواسطة الرسل الطوباويين ) . فرسموا الأساقفة التالية أسمائهم :  توما وزكي وشيم وأفرام  وشمععون وحنانا وداود للبلدان التي هدوها بالآيات والقوات التي كانوا يجزونها ، والتي لأجل كثرتها وبعد البلدان التي جرت فيها ، لم نستطع أن نميز كيف صارت كل واحدة منها وفي آية قرية أو مدينة حدثت ، والأشخاص الين تم الشفاء أو الذين منهم خرجت الشياطين أو بارحتهم الأمراض . .

أتى مار يهبالاها مرتين من دليم الفارسية إلى الدير المقدس ( بيث عابي ) ليؤدي الأكرام الواجب لدير آبائه . أما مار قرداغ فلأنه كان قد توغل في البلدان الداخلية أكثر من أخيه ، فلم يرجع قط .

تلك الشعوب البربرية الهمجية والسارقة ، واليالبة ، وعابدة الشيطان لم ترجع عن السجود الذي كانت تقدمه للشاطين بسهولة وبكلمات مجردة عن الأعمال وبدون تعب الصوم والصلاة ، فإنها شرعت ترذل العادات الذميمة وتطاطىء أعناقها لطاعة نير الصوم والصلاة وسهر الليالي والأمتناع عن كل المآكِل في الأصوام المفروضة والأعياد المقدسة .

كتب الأسقف أمونيس الراهب المختار لكنيسة الله في إحدى رسائله إلى تلاميذه حيث قال : لأجل ذلك كان الآباء ينعزلون في البرية ، إن كان إيليا من تشبي ( 1 مل 9:19 ) أو يوحنا المعمدان ( مت 1:3 ) فلا تظنوا أن هؤلاء الذين هم صديقون بين البشر قدروا أن يبلغوا القداسة وهم بين البشر ، بل إنهم عاشوا أولاً في خلوة تامة ، فاستحقوا أن تستقر فيهم القوة الإلهية ، وإذ ذاك ارسلهم الله إلى البشر وقد تسلحوا بالفضائل كلها ليكونوا وكلاء الله ، فأشفوا المرضى وعملوا المعجزات . وهكذا كان الشأن مع القديسين المرسلين للتبشير مقتدرين في الشفاءات وعمل المعجزات بعد أن نالوا الكنوز الساموية بالخلوة في اديرتهم وبأعمال النسلك القاسية وبعدئذ ارسلهم الله غلى الوثنين في بلاد فارس لأحياء نفوسهم فأصبحوا كأشعة نور ، ومصابيح تعليمهم المتلألئة أضاءت من أعلى ذرى سيرتهم ، وقد وضعوها ، ليس تحت الكيال ، بل على المنارة فأضاءت أقاصي المشرق كلها . وعلى غرار الرسل في عهدهم .

كان خبز تلك البلدان من الأرز ، إذ ليس هناك حبوب الحنطة والشعير المباركة ، بل الأرز والقطاني وما شاكلهما . وقد أطلعنا على ذلك مار يهبالاها المقدس الذكر . حدث الشيخان حنا نيشوع وإليشاع إنه نقل إليهما ذلك قائلاً : إني عندما يممت شطر هذه الأصقاع ، وصلت عند البار مار حبيب مطرافوليط مدينة  ” رأي “  الواقعة في بلاد ماداي العليا والتي ترى أطلالها على مسافة 45 كم في الجنوب الشرقي من طهران الحالية ، وقد ورد ذكر هذه المدينة في سفر طوبيا ( طالع 14:1 : 20:4 : 2:9 ) . يقول : ولما أكلت خبز الحنطة إنتابني مرض شديد لأنني كنت معتاداً في تلك البلدان على أكل خبز الأرز .

لما أشتغلوا سنين عديدة في تلك الأرض البائرة وأذاعوا بشارة الرب بين النفوس ، وأرجعوا وتلمذوا وعمدوا وقدسوا كثيرين أنهوا أيامهم كلها هناك واحصوا مع الأبكار المكتوبة أسماؤهم في سفر الملكوت المحفوظ لهم النعيم مع الأنبياء والرسل والملافنة والشهداء …. ليوطد الرب بصلواتهم السلام بين الكهنوت ولتبطل الحروب من الأرض كلها ، وليمنح الرب العالم كله ، ولا سيما الكنيسة المقدسة ، الراحة والهدوء من كل الحروب . وكلنا نصعد المجد للآب والأبن والروح القدس إلى الأبد ، آمين .  

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x